نبوءات الرسول عليه الصلاة والسلام
أخرج الحميدي في مسنده فقال: حدثنا سفيان ثنا عبد الملك بن أعين سمعه من أبي حرب أبي الأسود الديلي يحدثه عن أبيه قال: سمعت عليا يقول: أتاني عبد الله بن سلام وقد أدخلت رجلي في الغرز فقال لي أين تريد فقلت العراق فقال: أما إنك إن جئتها ليصبك بها ذباب السيف فقال: على وأيم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله يقوله.
أخرج البخاري في صحيحه فقال: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أزهر السمان عن ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال:

المصطفى كأنك تراه
حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن البراء بن عازب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خدِّه الأيمن، وقال: ربِّ قِني عذابك يوم تبعثُ عبادك». (صحيح).
حديث أم زرع([1])
* حدثنا علي بن حجر، حدثنا عيسى بن يونس عن هشام عن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت: «جلست إحدى عشرةَ امرأةً فتعاهَدْنَ وتَعاقَدْنَ أنْ لا يكتمن من أخبار أزواجهنَّ شيئاً:
 

قال الفضيل: (خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء والرغبة في الدنيا، وطول الأمل).

قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (لا خير فيمن لا يستحي من الناس).

وقال الأصمعي: (من كساه ثوب الحياء، لم ير الناس عيوبه).

قال صالح بن جناح:

إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤه  *  ولا خير في وجه إذا قلَّ ماؤه

حياؤك فاحفظ عليك وإنما  *  يدل على فعل الكريم حياؤه

قال مطرف بن الشخير: (لأن أبيت نائماً، وأصبح نادماً، أحب إلى من أن أبيت قائماً، وأصبح معجباً).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب).

قال بعضهم: (الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولاً ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة وهواناً ونكالاً).

قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: (ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة، فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار، فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإن ذلك يكون حسداً، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله، أي أن الحسد ممنوع والغبطة جائزة).

- قالوا: (الصبر نصف الإيمان، وسر سعادة الإيمان، ومصدر العافية عند الابتلاء، وعدة المؤمن حين تدلهم الخطوب، وتحدق الفتن، وتتوالى المحن، وهو سلاح المؤمن في مجاهداته نفسه وحملها على الاستقامة على الشّرع، وتحصنها من الانزلاق في مهاوي الفساد والضلال).

- وقال ابن عطاء رحمه الله تعالى في حكمه:

(من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها).

وقال بعض الحكماء: (وجدت أطول الناس غماً الحسودَ، وأهناهم عيشاً القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع، وأخفضهم عيشاً أرفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط).

وفي الآثار قال سيدنا عمر رضي الله عنه: (إن الطّمع فقر، وإن اليأس غنى، وإنه من ييأس عما في أيدي الناس استغنى عنهم).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما من يوم إلا وملك ينادي يا ابن آدم، قليل يكفيك، خير من كثير يطغيك).

وقيل لبعض الحكماء: (أي شيء أسر للعاقل؟. وأيما شيء أعون على دفع الحزن؟.. فقال: أسرها إليه ما قدم من صالح العمل، وأعونها على دفع الحزن الرضا بمحتوم القضاء).

وقال علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا، حتى أخذ على أهل العلم أن يُعَلِّموا).

قال بعض العلماء: (ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فاته من أدرك العلم).

وقال عطاء رضي الله عنه:

(دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي، فقلت ما يبكيك؟. قال: ليس أحد يسألني عن شيء).

قال سعيد بن جبير رضي الله عنه:

(الدّنيا متاع الغرور، إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه، فنعم المتاع ونعم الوسيلة).

 

قال ابن المبارك:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

*

هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته

*

إن المحب لمن يحب مطيع

قال جعفر الصّادق رضي الله عنه:

(لا تصحب خمسة:

الكاذب: فإنك منه على غرور، وهو مثل السّراب يقربّ منك البعيد، ويبعد عنك القريب.

والأحمق: فإنك لست منه على شيء يريد أن ينفعك فيضرك.

والبخيل: فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه.

والجبان: فإنه يسلمك، ويفر عند الشدة.

والفاسق: فإنه يبيعك بأكله أو أقل منها. فقيل: ما أقل منها؟.

قال: الطّمع فيها ولا ينالها).

وقال سيدنا علي رضي الله عنه:

فلا تصحب أخا الجهل

*

وإياك وإياه

فكم من جاهل أردي

*

حليماً حين آخاه

يقاسُ المرء بالمرء

*

إذا ما المرء ما شاه

قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: (الوحدة خير من جليس السّوء، والجليس الصّالح خير من الوحدة).

قال الشاعر صالح عبد القدوس في الحكم:

واحذرْ مؤاخاة الدنيء لأنه

*

يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربّ

واختر صديقك واصطفيه تفاخراً

*

إن القرين إلى المقارن ينسبُ

ودعِ الكذوب ولا يكن لك صاحباً

*

إن الكذوبَ لبئس خلاً يصحبُ

وذر الحقود وإن تقادم عهده

*

فالحقدُ باقٍ في الصدور مغيبُ

واحرص على حفظ القلوب من الأذى

*

فرجوعها بعد التنافر يصعبُ

 

قال بعض الحكماء: (لا تصحب من يتغير عليك عند أربع: عند غضبه ورضاه، وعند طمعه وهواه).

 

- قال الشاعر:
لأشكرّك معروفاً هممت به * إنّ اهتمامك بالمعروف معروفُ.
- وقال أيضاً:
لو كنتُ أعلم فوق الشكر منزلة * أعلى من الشكر عند الله بالثمنِ
إذاً منحتكها منّي مجلَّلة * شكراً على صنع ما أوليتَ من حَسَنِ
- لا يصاب بالبلل من يبقى بعيداً عن الماء.
- من لم يتحسَّب للعواقب لم يكن الدهر له بصاحب.
إذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك.
- قالوا: (إن المودة بين كرام الناس أسرع شيء اتصالاً، وأبطأ شيء انقطاعاً، وإنما مثلُ ذلك مثلُ الكوز من الفضة بطيء الانكسار ، سريع الانجبار).
- وقالوا: (وإن مثل المودة بين لئام الناس مثل الكوز من الفخار، سريع الانكسار، بطيء الانجبار).
- قال الشاعر:
ما حوى العلمَ جميعاً أحدٌ * لا ولو مارسه ألف سنه
إنما العلمُ كبحرٍ سائرٍ * فاتخذْ من كلِّ فنٍ أحسنه
- أصلح نفسك يصلح لك الناس.
- إنَّ الله قرن وعده بوعيده، ليكون العبد راهباً راغباً.
- إنَّ يرى من باطنك ما يرى من ظاهرك.
- ثلاثة من كنَّ فيه كنَّ عليه: البغي، والنكث –أي: نقض العهد-، والمكر.
- قال الشاعر:
اصبر على ذل التعلُّم ساعة * واعلم ضياعَ العلم في نفراته
من لم يذق ذل التعلم ساعة * يُبْلى بذل الجهل طول حياته
من فاته التعليم وقت شبابه * كبر عليه أربعاً لو فاته
- إقبل التحديات حتى تشعر بنشوة النصر.
- الصبر سلاح العباقرة في معارك الإبداع والاختراع.
- قالوا: (جالس العلماء.. فإن أصبت حمدوك، وإن أخطأت علَّموك، وإن جَهِلْتَ لم يعنّفوك، ولا تجالس الجّهال.. فإن أصبت لم يحمدوك، وإن أخطأت لم يُعلِّموك، وإن جهلت عنّفوك، وإن شهدوا لك لم ينفعوك).
- قيل:
بقدر الكد تكتسب المعالي * ومن طلب العلا سهر الليالي
- طلب الخليفة أبوجعفر المنصور من الإمام جعفر أن يزوره ليتسنى له صحبته، والاستفادة من نصحه قائلاً: (يا أبا عبدالله، تصحبنا لتنصحنا، فبادر بالقول: من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك).
- طلاقة الوجه عنوان ما في النفس.
- ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه.
- ملامح وجهك تنبئ عنك.
- قال الشاعر:
تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما
- حينما تتوافر الإرادة، تتوافر الوسيلة.
- قالوا: (كلُّ شيء يعِزُّ إذا قلَّ، والعقلُ كلما كثر كان أعزُ وأغلى).
- يدخل الشَّر كالإبرة، وينتشر كشجرة البلوط.
- لو سكت من لا يعلك لسقط الاختلاف.
- أظهر الحق يتبعك أهله.
إذا كان البدن سقيماً لم ينفعه الطعام، وإذا كان القلب مغرماً بحب الدنيا لم تنفعه الموعظة.
- قال الشاعر:
أفادتني التجارب كل عزِّ * وهل عزٌّ أعزُّ من القناعة.
- كل حريق مطفء:
للنار الماء.. وللسُّمِّ الدواء.. وللحزن الصبر.. وللعشق اللقاء.. ونار الحقد تخبو أبداً..
* وقال رجل يخاطب من حسده [من البحر المتقارب]:
ألا قلْ لمنْ باتَ لي حاسداً * أتدري على مَنْ أَسَأتَ الأدبْ
أسأتَ على الله في فعله * لأنكَ لم ترضَ لي ما وهبْ
فكانَ جزاءَك أن زادني * وسد لديك طريقَ الطلبْ
* جاء في كتاب إحياء علوم الدين: (أن رجلاً كان له بقرة ، وكان يشوب لبنها بالماء ليبيعه ، فجاء سيل في بعض الأودية التي كانت ترعى فيه ، فمرّ عليها فجرفها وأغرقها فماتت ، ثم إن صاحبها جلس حزيناً عليها يندبها ، فقال له بعض بنيه: يا أبتي لا تندبها ، فإن المياه التي كنّا نخلطها بلبنها اجتمعت فأغرقتها).
* قال الشاعر [من البحر البسيط]:
إذا ما صبحت القوم فاصحب خيارهم * فكل قرين بالمقارن يقتدي
عن المرءِ لا تَسَألْ وسَلْ عن صديقه * ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الردي
* قالوا: ( لا يزال العبد بخير ، ما قال لله وعمل له).
* وقالوا: ( أعجب ما في الإنسان أن ينقص ماله فيقلق ، وينقص عمره فلا يقلق).
* قال الشاعر [من البحر الكامل]:
فائدة خذها بدون أجرةِ * عن مالك إمام دار الهجرةِ
من يَصْدُقِ الحديثَ عندَ نَقْلِهِ * مَتَّعهُ اللهُ بكلِّ عَقْلهِ
وعاشَ في عافيةٍ بلا سَرَفْ * ولم تُصِبْهُ آفةٌ ولا خَرَفْ
* قال المغيرة بن شعبة:
(الرجال أربعة والنساء أربع ، فإذا كان الرجل مذكّراً والمرأة مذكّرة ، تعبا في حياتهما وكابدا العيش ، وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مذكّرة ، كان الرجل هو المرأة وكانت المرأة هي الرجل ، وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مؤنثة ، ماتا هزالاً ، وإذا كان الرجل مذكّراً والمرأة مؤنثة طاب عيشهما واستقامت أمورهما).
* الإنسان الناجح يجد لكل مشكلة حلاً ، والإنسان الفاشل يجد في كل حلٍّ مشكلة.
* كان أبو ذر رضي الله عنه يقول: (إني لأحب الجوع والمرض والموت: لأني إن جعت رق قلبي ، وإذا مرضت خف ذنبي ، وإذا مت لقيت ربي).
* تأمّل: دخل عمر بن الخطاب على رجل مريض ، وقرأ الفاتحة عليه وشفي المريض، ثم استشهد عمر ، ومرض الرجل مرة أخرى ، فدخل أحدهم ليرقيه ، وقرأ عليه الفاتحة ولم يُشْفَ ، فقال الرجل: أنا كما أنا والفاتحة هي الفاتحة.. ولكن أين يد عمر ؟؟!!
- قال الشاعر: إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة * فلا خير في ودٍّ يجيء تكلّفاً.
- بالعجلة تنقص الأعمال ، وبالرفق تدرك الآمال.
- إن من الشقاوة أن تحب إنسان ويُحبُّ غيرك ، وأن تريد الخير للإنسان وهو يريد ضيرك.
- إن الحسد هو أول ذنب عُصِي الله به في الأرض ، وهو حسد قابيل لأخيه هابيل مما دفعه لقتله ، فكان الحسد سبب أول جريمة وقعت على الأرض.
- قال الشاعر:
الناس في زمن الإقبال كالشجرة * وحولها الناس ما دامت بها الثمرة.
حتى إذا ما عرت من حملها انصرفوا * عنها عقوقاً وقد كانوا بها بررة.
- قال الشافعي: [يا ربِّ رزقتني الحياة ولم أسألك ، فارزقني الجنة وأنا أسألك].
- قالوا: الدنيا تطلب الهارب منها ، وتهرب من الطالب لها ، فإن أدركت الهارب منها جرحته ، وإن أدركها الطالب لها قتلته.
- قالوا: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، وشرُّ المعذرة حين يحضر الموت.
- قالوا: من وعظ أخاه سرّاً فقد زانه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه.
- قال الشاعر: ليس اليتيم الذي قد مات والده * إن اليتيم يتيم العلم والأدب.
- قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده».
- قال حكيم: ما أصنع بدنيا لو بقيت لها لم تبق لي ، ولو بقيت لي لم أبق لها !!
- قالوا: لا غنى إلا بالعلم والعمل ، ولا فقر إلا بالجهل والكسل.
- قالوا: الحرّ حرّ وإن مسّه الضر ، والعبد عبد وإن مشى على الدُّر.
- إن الطبيب بطبّه ودوائه * لا يستطيع دفاع مكروه أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي * قد كان يُبرئ منه فيما مضى !!
ذهب المداوي والمداوى والذي * جلب الدواء وباعه ومن اشترى
- لا تُنفق كل ما تكلك ، ولا تقل كل ما تعرف ، ولا تصدق كل تسمع.
- قالوا: المال إما أن يكون في خدمة صاحبه فينعم به ، وإما أن يكون صاحبه في خدمته فيشقى به.
- إن الفتاة حديقة وحياؤها * كالماء موقوف عليه بقاؤها
لا خير في حسن الفتاة وعلمها * إن كان في غير الصلاح رضاؤها
فجمالها وقف عليها إنما * للناس منها دينها ووفاؤها.
- قصة وعبرة: سُرق مال لابن مسعود رضي الله عنه فجعل من حوله يدعون على الذي سرق ماله ، فقال لهم: مه لا تدعوا عليه ، ولطن قولوا: اللهم إن كان سرقه لحاجة له في المال وضيق حل به فبارك له فيه ، وإما إن كان قد سرقه جرأة على حدود الله وإيذاءً للناس فاجعل ذنبه هذا هو آخر ذنوبه !!!
- يقول الحكماء: (إن لكل فضل زكاة.. فزكاة المال الصدقة على الفقير المحتاج ، وزكاة القوة الدفاع عن الضعيف المظلوم ، وزكاة البلاغة والبيان القيام بحجة من عجز في حجته ، وزكاة الجاه أن يُعِين به من لا جاه له).
- قال الشاعر: تعلم فليس المرء يولد عالماً * وليس أخو علم كمن هو جاهلُ.
- قال موسى عليه السلام في مناجاته لربّه: يا ربِّ لم ترزق الأحمق وتحرم العاقل؟ فقال الله تعالى: (ليعلم العاقل أنه ليس في الرزق حيلة).
- قالوا: إنَّ من جرَّعك دواءً مرَّاً لتبرأ أرحم بك ممن أطعمك الحلو لتسقم !!
- قال حكيم: لأن يضعني الصدق وقلما يفعل أحب إليَّ من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل.. واعلم أن الصدق منجيك وإن خفته ، وأن الكذب مُرديك وإن أمنته.
- قيل لعمرو بن العاص: ما العقل ؟ قال: الإصابة بالظن ، ومعرفة ما يكون بما قد كان.
- قال الأصمعي: قلت لأعرابي مُعَمِّر: ما أطال عمرك ؟ قال: تركت الحسد فبقيت.
- قالوا: لا تُمازح الشريف فيحقد عليك ، و الدنيء فيجترئ عليك.
- قالوا: لا تطمئن إلى عدوك وإن أبدى إليك وجهه ، وخفض لك جناحه ، فإنه يعترض بك الدوائر ، ويُضمر لك الغوائل.
- قال عمر بن عبدالعزيز: (القلوب أوعية الأسرار والشفاه أقفالها ، والألسن مفاتيحها ، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره).
- قالوا: (عليكم بالسخاء والشجاعة ، فإنهم أهل حسن الظن بالله تعالى ، ولو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرِّ بخلهم ، ومذمّة الناس لهم إلا سوء ظنهم بربهم في الخَلَف ، لكان عظيماً).
- قيل:
من أهان ماله ، أكرم نفسه.
من أدَّب أولاده ، أرغم حُسَّاده.
من أطاع غضبه ، أضاع أدبه.
من اشترى ما لا يحتاج إليه ، باع ما يحتاج إليه.
- عليكم بالأدب.. فإنه صاحب في السفر ، ومؤنس في الوحدة ، وجمال في المحفل وسبب إلى طلب الحاجة.

 
من خصائص أهل الحديث

((لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة واحدة ،والحق لا يخرج عنهم قط ،وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول ،وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع فإنما يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم ،بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفاً للسنة الثابتة، وكل من هؤلاء يوافقهم فيما خالف فيه الآخر ،فأهل الأهواء معهم بمنزلة أهل الملل مع المسلمين ،فإن أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل كما قد بسط في موضعه.

فإن قيل: فإذا كان الحق لا يخرج عن أهل الحديث فلم لم يذكر في أصول الفقه أن إجماعهم حجة ،وذكر الخلاف في ذلك كما تكلم على إجماع أهل المدينة وإجماع العترة؟

قيل لأن أهل الحديث لا يتفقون إلا على ما جاء عن الله ورسوله وما هو منقول عن الصحابة ،فيكون الاستدلال بالكتاب والسنة وبإجماع الصحابة مغنياً عن دعوى إجماع ينازع في كونه حجة بعض الناس ،وهذا بخلاف من يدعي إجماع المتأخرين من أهل المدينة إجماعاً، فإنهم يذكرون ذلك في مسائل لا نص فيها ،بل النص على خلافها ،وكذلك المدعون إجماع العترة يدعون ذلك في مسائل لا نص معهم فيها ،بل النص على خلافها ،فاحتاج هؤلاء إلى دعوى ما يدعونه من الإجماع الذي يزعمون أنه حجة.

وأما أهل الحديث :فالنصوص الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عمدتهم، وعليها يجمعون إذا أجمعوا ،لا سيما وأئمتهم يقولون لا يكون قط إجماع صحيح على خلاف نص إلا ومع الإجماع نص ظاهر معلوم يعرف أنه معارض لذلك النص الآخر ،فإذا كانوا لا يسوغون أن تعارض النصوص بما يدعى من إجماع الأمة لبطلان تعارض النص والإجماع عندهم ،فكيف إذا عورضت النصوص بما يدعى من إجماع العترة أو أهل المدينة ؟وكل من سوى أهل السنة والحديث من الفرق فلا ينفرد عن أئمة الحديث بقول صحيح ،بل لا بد أن يكون معه من دين الإسلام ما هو حق، وبسب ذلك وقعت الشبهة ،وإلا فالباطل المحض لا يشتبه على أحد ،ولهذا سمي أهل البدع أهل الشبهات وقيل فيهم إنهم يلبسون الحق بالباطل )).


ما يجب مراعاته في دراسة الرواة

ذكر العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في كتابه الماتع: "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" أن من أحب أن ينظر في كتب الجرح والتعديل عن حال رجل وقع في سند ، فعليه أن يراعي أموراً ألخصها بما يلي:

الأول : إذا وجد ترجمة بمثل ذاك الاسم فليتثبت حتى يتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل فإن الأسماء كثيراً ما تشتبه ويقع الغلط والمغالطة.

الثاني : ليستوثق من صحة النسخة وليراجع غيرها إن تيسر له ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب .

الثالث : إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة فلينظر أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا ؟

الرابع : ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة فإن الأسماء تتشابه ، وقد يقول المحدث كلمة في راو فيظنها السامع في آخر ، ويحكيها كذلك ،وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه ويخطئ بعض من بعده فيحملها على آخر .

ففي الرواة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامي ، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي . حكى عباس الدوري عن يحيى بن معين توثيق الأول وتضعيف الثالث . فحكى ابن أبي حاتم عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني ووهمه المزي ، ووثق أبو داود الثالث وضعف الأول ، فذكرت له حكاية الدوري عن ابن معين فقال : غلط عباس .

الخامس : إذا رأى في الترجمة (( وثقة فلان )) أو (( ضعفه فلان )) أو (( كذبه فلان (( فليبحث عن عبارة فلان ، فقد لا يكون قال : (( هو ثقة )) أو (( هو ضعيف )) أو (( هو كذاب )) ففي ( مقدمة الفتح ) في ترجمة إبراهيم بن سويد بن حبان المدني (( وثقه ابن معين وأبو زرعة )) والذي في ترجمته من ( التهذيب ) : قال أبو زرعة ليس به بأس )) وفي ( المقدمة ) في ترجمة إبراهيم ابن المنذر الحزامي (( وثقه ابن معين ... والنسائي )) والذي في ترجمته من (( التهذيب )) :

(( قال عثمان الدارمي رأيت ابن معين عن كتب إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب ظننتها المغازي وقال النسائي ليس به بأس )) .

وفي ( الميزان ) و ( اللسان ) في ترجمة معبد بن جمعة (( كذبة أبو زرعة الكيشي )) وليس في عبارة أبي زرعة الكيشي ما يعطي هذا بل فيها أنه (( ثقة في الحديث )).

السادس : أصحاب الكتب كثيراً ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره وربما يخل ذلك بالمعنى فينبغي أن يراجع عدة كتب فإذا وجد اختلافاً بحث عن العبارة الأصلية ليبنى عليها .

السابع : قال ابن حجر في ( لسان الميزان ) ج 1 ص 17 : (( وينبغي أن يتأمل أيضاً أقوال المزكين ومخارجها ... فمن ذلك أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي : أيهما أحب إليك ؟ فقال : ابن إسحاق ثقة ، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال : صدوق وليس بحجة ، ومثله أن أبا حاتم قيل له : أيهما أحب إليك يونس أو عقيل ؟ فقال : عقيل لا بأس به ، وهو يريد تفضليه على يونس ، وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح فقال : عقيل لا بأس به ، وهو يريد تفضليه على يونس ، وسئل عن عقيل وزمعه بن صالح فقال : عقيل ثقة متقن ، وهذا حكم على اختلاف السؤال ، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلاً في وقت وجرحه في وقت آخر ... )).

ومما يدخل في ذلك أنهم قد يضعفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه أو إلى بعض الرواة عنه أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك .

الثامن : ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله ، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به ، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلساً واحداً ،وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه ، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه ، ومنهم من يجاوز ذلك .

التاسع : ليبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه مستعيناً على ذلك بتتبع كلامه في الرواة واختلاف الرواية عنه في بعضهم مع مقارنة كلامه بكلام غيره .

العاشر: إذا جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عن ذات (‍‍‍!) بين الراوي وجارحه أو معدله من نفرة أو محبة.


أهل الحديث قسمان

القسم الأول : الحفاظ معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا ،ولا يستنبطون، ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه،  وقسم معتنون بالاستنباط، واستخراج الأحكام من النصوص، والتفقه فيها فالأول:

كأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن دارة، وقبلهم: كبندار محمد بن بشار،وعمرو الناقد، وعبد الرزاق، وقبلهم: كمحمد بن جعفر غندر ،وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من أهل الحفظ والاتقان ،والضبط لما سمعوه، من غير استنباط وتصرف واستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص .

والقسم الثاني :كمالك ،والشافعي، والأوزاعي، وإسحق ،والإمام أحمد بن حنبل، والبخاري ،وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي ،وأمثالهم، ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية ،

 فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأسا.

وأما الطائفة الثالثة وهم أشقى الخلق الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا ،فلا حفظ ولا فهم، ولا رواية ولا دراية، ولا رعاية .

فالطبقة الأولى: أهل رواية ودراية

والطبقة الثانية: أهل رواية ورعاية، ولهم نصيب من الدراية بل حظهم من الرواية أوفر

والطبقة الثالثة: الأشقياء لا رواية ولا دراية ولا رعاية ((إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ))

فهم الذين يضيقون الديار ويغلون الأسعار، إن همة أحدهم إلا بطنه وفرجه، فإن ترقت همته كان همه مع ذلك لباسه وزينته، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في الرياسة والانتصار للنفس الغضبية ،فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس الغضبية، كان همه في نصرة النفس الكلبية فلم يعطها الى نصرة النفس السبعية فلم يعطها احد من هؤلاء فان النفوس كلبية وسبعية وملكية ، فالكلبية تقنع بالعظم والكسرة والجيفة والقذرة والسبعية لا تقنع بذلك بل تقهر النفوس تريد الاستيلاء عليها بالحق والباطل واما الملكية فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت الى الرفيق الأعلى فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله ...

من كلام الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله في الوابل الصيب ص 84


من تعظيم السلف للنبي عليه الصلاة والسلام وسنته

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وعلى آله وصحبه وبعد:

سئلً عليٌّ  رضي الله عنه : كيف كان حبُّكُم لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظَّمأ .

وقال عمروُ بنُ العاصِ  رضي الله عنه : ما كان أحدٌّ أحبُّ إليَّ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عينَيَّ منه ، وما كنت أطيقُ أن أملأَ عينَيَّ منه إجلالاً  ،ولو سئلتُ أن أصفَه ما أطَقْتُ لأني ما كنت أملأً عيني منه .

ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم عندما يسمعون حديث الرسولِ صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهم الطيرَ من الخشوعِ والعظمةِ لأمرِ النبي  للنبي  صلى الله عليه وسلم.

ولما وعظهم النبي للنبي  صلى الله عليه وسلم تلكَ الموعِظَةِ العظيمةَ المشهورةَ كيفَ ذرفَتْ عيونُهُم وكيف وَجَلَتْ .

وكان من أدَبِهِم مع المصطفى عليه الصلاة والسلام أنهم كانوا يطرقون أبوابَه عليه الصلاةُ والسلامُ بالأظافيرِ . فكان من أدبهم أنهم لا يطرقونَ البابَ طرقاً كالطرقِ المعتادِ ؛ وإنما كانوا يتلَطَّفونَ ويتأدَّبون حتى كانوا يطرقون أبوابه طرقاً بالأظافيرِ ، فرضي الله عنهم وصلى الله على هذا النبي الهادي البشير ، وغير ذلك كثيرٌ من الآثارِ عن السلفِ في تعظيمِهِم لحديثِ نبيِّهِم للنبي  صلى الله عليه وسلم .

وإذا رأينا في أقوال الأئمةِ وفيما نُقِلَ عن أئمَّتِنا نجدُ في ذلك آثاراً كثيرةً أيضاً منها :

_ ما جاء في البخاري عن السائبِ بنِ يزيدَ قال : كنتُ قائماً في المسجِدِ، فحَصَبَني رجلٌ، فنظرتُ فإذا عمرُ بنُ الخَطّابِ، فقال : اذهبْ فأْتِني بهذين ، فجئْتُه بهما، قال: من أنتما، أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعْتُكُما، ترفعانِ أصواتَكما في مسجدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

انظروا إلى هذا الأدب ، وكيف كان هذا الإنكارُ على هذينِ في رفعِهِما لأصواتِهما في مسجِدِ رسولِ الله .

_ ولهذا أُثِرَ عن الإمامِ مالكٍ رحمه الله _ وكان من أشدِّ الناسِ تعظيماً لحديثِ رسولِ الله للنبي  صلى الله عليه وسلم _ أنه إذا جلس للفقهِ جلسَ كيفَ كان ، وإذا أراد الجلوسَ للحديثِ اغتسلَ وتطَيَّبَ ولبس ثياباً جُدُداً وتعّمَّمَ وجلس على مِنَصَّتِهِ بخشوعٍ وخضوعٍ ووقارٍ ، ويجلسُ في ذلك المجلسِ ، وكان يبخرُ ذلك المجلسَ من أوَّلَهِ إلى آخرِه تعظيماً لحديثِ المصطفى عليه الصلاة والسلام .

_ كان الإمامُ الشهير ابنُ مهدي إذا قرأ حديثَ رسولِ الله  للنبي  صلى الله عليه وسلم أمرَ الحاضرينَ بالسُّكوتِ فلا يتحدَّثُ أحدٌّ ولا يُبْرى قلمٌ ولا يتبسَّمُ أحدٌ ولا يقوم أحد قائماً كأن على رؤوسهم الطيرَ أو كأنهم في صلاةٍ ، فإذا رأى أحداً منهم تبسَّمَ أو تحدَّثَ لبس نعلَه وخرجِ .

فانظروا إلى هذه الآثارِ العظيمةِ التي تدلُّنا دِلالاتٍ واضحة قويَّة على مدى تعظيمِ واحترامِ هؤلاءِ الصحابةِ والتابعينَ لنبي الله صلى الله عليه واتباعه وسلم.


مكانة علم الجرح والتعديل

كان لعلم الجرح والتعديل وعلمائه دور كبير في حفظ السنة النبوية وحمايتها، مكانة عظيمة من جوانب عدة أبرزها :

 1.  كلام الأئمة في الرواة والتمييز بين الثقات والضعفاء مما مكَّن للأحاديث الصحيحة من الانتشار، وقلل من انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة، لأن كثيرا من المحدثين كانوا يتجنبون الرواية عن أولئك الضعفاء والكذابين وأهل البدع، وقد قال ابن سيرين رحمه الله: "... فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".

وقال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله في بيان جهود العلماء في حفظ الأخبار ونقدها: "... وعمدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفحصوها، وخلصوا لنا منها ما ضمنوه كتب الصحيح، وتفقدوا الأخبار التي ظاهرها الصحة وقد عَرفوا بسعة علمهم ودقَّة فهمهم ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللها، وبَيَّنوا خللها، وضمنوها كتب العلل، وحاولوا مع ذلك إماتة الأخبار الكاذبة فلم ينقل أفاضلهم منها إلا ما احتاجوا إلى ذكره؛ للدلالة على كذب راوية أو وهنه، ومن تسامح من متأخريهم فروى كل ما سمع، فقد بين ذلك ووكَلَ الناس إلى النقد الذي قد مُهدت قواعده، ونُصبت معالمه.

فبحقٍ قال المستشرق المحقق مرجليوث: ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم"

مقدمة تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل: (ص أ-ب).

 2.  المهابة العظيمة التي جعلها الله عز وجل في قلوب الناس لعلماء الجرح والتعديل، فكانوا يتحرزون من الكذب، ويتحفظون من الوقوع في الخطأ في الرواية، خوفاً من أن يتكلم فيهم أحد أئمة الجرح والتعديل، فيسقطوا من أعين الناس بتلك الكلمة، وتسطر تلك الكلمة في كتب الجرح والتعديل، ويتناقلها الناس في كتبهم قرناً بعد قرن.

لذلك كانوا يحتاطون فيما يروونه أشد الاحتياط، وكان بعضهم لا يروي إلا من كتابه، خوف الوقوع في الخطأ، ومنهم من يمتنع من التحديث إذا أحس من نفسه تغيراً، أو يحجبه أبناؤه، فلا يمكنون أحداً من السماع منه، قال عبد الرحمن بن مهدي: "جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما خشوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع منه أحد في اختلاطه شيئاً".

إنما خشوا أن يخطئ في روايته بسبب الاختلاط فَيُنقل عنه الخطأ، فيتكلم فيه المحدثون.

وهكذا جعل الله عز وجل أئمة الجرح والتعديل حراسا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فحفظ الله عز وجل بهم السنة.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره في كلامٍ له على أخبار بني إسرائيل: "... وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وُضِِعَ فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد، الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي خاتم الرسل، وسيد البشر صلى الله عليه وسلم ، أن ينسب إليه كذب، أو يُحدَّثَ عنه بما ليس منه ، فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم..." تفسير الآية رقم 50 من سورة الكهف.

 3.  معرفة علماء الجرح والتعديل الدقيقة بأحوال الرواة من حيث مواليدهم ووفياتهم، والشيوخ الذين سمعوا منهم، ومتى سمعوا منهم، ومعرفة الأحاديث التي سمعوها من كل شيخ... كل ذلك حال بين الكذابين وبين إدخال الأحاديث المكذوبة في السنة النبوية، وإن فعل واحد منهم ذلك كُشِفَ أمرهُ وافتضح، وذُكِرَ حديثه في الكتب المصنفة في الأحاديث الموضوعة.

وكذلك كان علماء الجرح والتعديل يعرفون مواطن الخطأ في الروايات من وصل مرسل، أو رفع موقوف، أو إدخال حديث في حديث... ويبينون ما فيها من خلل، ومن نظر في كتب العلل وكتب الجرح والتعديل وجد أمثلة كثيرة لذلك، فحفظ الله عز وجل السنة النبوية من كذب الكذابين وخطأ المخطئين.

والحمد لله رب العالمين

 

* المصدر: 

من بحث الدكتور صالح الرفاعي: أثر علم الجرح والتعديل في حفظ السنة النبوية.


ما يجب مراعاته في دراسة أحوال الرواة

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وعلى آله وصحبه وبعد:

ذكر العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في كتابه الماتع: (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) أن من أحب أن ينظر في كتب الجرح والتعديل عن حال رجل وقع في سند ، فعليه أن يراعي أموراً ألخصها بما يلي:

الأول : إذا وجد ترجمة بمثل ذاك الاسم فليتثبت حتى يتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل فإن الأسماء كثيراً ما تشتبه ويقع الغلط والمغالطة.

الثاني : ليستوثق من صحة النسخة وليراجع غيرها إن تيسر له ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب .

الثالث : إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة فلينظر أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا ؟

الرابع : ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة فإن الأسماء تتشابه ، وقد يقول المحدث كلمة في راو فيظنها السامع في آخر ، ويحكيها كذلك ،وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه ويخطئ بعض من بعده فيحملها على آخر .

ففي الرواة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامي ، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي . حكى عباس الدوري عن يحيى بن معين توثيق الأول وتضعيف الثالث . فحكى ابن أبي حاتم عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني ووهمه المزي ، ووثق أبو داود الثالث وضعف الأول ، فذكرت له حكاية الدوري عن ابن معين فقال : غلط عباس .

الخامس : إذا رأى في الترجمة ( وثقة فلان ) أو ( ضعفه فلان ) أو ( كذبه فلان ( فليبحث عن عبارة فلان ، فقد لا يكون قال : ( هو ثقة ) أو ( هو ضعيف ) أو ( هو كذاب ) ففي ( مقدمة الفتح ) في ترجمة إبراهيم بن سويد بن حبان المدني ( وثقه ابن معين وأبو زرعة ) والذي في ترجمته من ( التهذيب ) : قال أبو زرعة ليس به بأس ) وفي ( المقدمة ) في ترجمة إبراهيم ابن المنذر الحزامي ( وثقه ابن معين ... والنسائي ) والذي في ترجمته من ( التهذيب ) :

( قال عثمان الدارمي رأيت ابن معين عن كتب إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب ظننتها المغازي وقال النسائي ليس به بأس ) .

وفي ( الميزان ) و ( اللسان ) في ترجمة معبد بن جمعة ( كذبة أبو زرعة الكيشي ) وليس في عبارة أبي زرعة الكيشي ما يعطي هذا بل فيها أنه ( ثقة في الحديث ).

السادس : أصحاب الكتب كثيراً ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره وربما يخل ذلك بالمعنى فينبغي أن يراجع عدة كتب فإذا وجد اختلافاً بحث عن العبارة الأصلية ليبنى عليها .

السابع : قال ابن حجر في ( لسان الميزان ) ج 1 ص 17 : ( وينبغي أن يتأمل أيضاً أقوال المزكين ومخارجها ... فمن ذلك أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي : أيهما أحب إليك ؟ فقال : ابن إسحاق ثقة ، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال : صدوق وليس بحجة ، ومثله أن أبا حاتم قيل له : أيهما أحب إليك يونس أو عقيل ؟ فقال : عقيل لا بأس به ، وهو يريد تفضليه على يونس ، وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح فقال : عقيل لا بأس به ، وهو يريد تفضليه على يونس ، وسئل عن عقيل وزمعه بن صالح فقال : عقيل ثقة متقن ، وهذا حكم على اختلاف السؤال ، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلاً في وقت وجرحه في وقت آخر ... ).

ومما يدخل في ذلك أنهم قد يضعفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه أو إلى بعض الرواة عنه أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك .

الثامن : ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله ، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به ، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلساً واحداً ،وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه ، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه ، ومنهم من يجاوز ذلك .

التاسع : ليبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه مستعيناً على ذلك بتتبع كلامه في الرواة واختلاف الرواية عنه في بعضهم مع مقارنة كلامه بكلام غيره .

العاشر: إذا جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عن ذات (‍‍‍!) بين الراوي وجارحه أو معدله من نفرة أو محبة .

 

* المصدر: الجمعية السعودية للسنة وعلومها.