قواعد حفظ القرآن
إخلاصُ النيةِ، والصَّدقُ في التَّوَجُّهِ إلى الله تعالى، والقصْدُ الحسَنُ، والحِفْظُ لأجل الله وابتغاء مرضاته، ذلك هو سِرُّ التوفيق في مسيرتك العلمية، قال تعالى: ?قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ? [الزمر: 11]. ...
إن ذهن الصغير أصفى من ذهن الكبير لقلَّة المشاكل والمشاغل، ولذلك فإن اغتنام فرصة العُمُر في الحفظ صغيراً يعتبر عاملاً مهماً في ثبات القرآن منقوشاً في الذهن....

إنَّ اختيار الوقت أمرٌ مهمٌ بالنسبة للحفظ، فلا ينبغي للإنسان أن يحفظ في وقت الضَّيق والضَّجر، أو في وقت ضجيج الأولاد. ....

قسم أخلاق قرآنية
للأشخاص والبيوت حرمة وأسرار ، ينبغي الحفاظ عليها ومراعاتها ومنع الأذى فيها ، أو مسّ أو خدش جانب الحياء في مناحيها ....
صان الإسلام العرض صوناً كاملاً ، وسدَّ كل المنافذ المؤدية إلى المحرمات والمنكرات ومنها النظر إلى المرأة الأجنبية ...
 

من جاع باع.

ومن أحسن الاستماع استعجل الانتفاع.

من حلم ساد.

من اعترف بالجريرة فقد استحق الغفيرة.

من رغب عن الإخوان جسر على الزمان.

من اتبع هواه أضله.

من جهل النعم عرف النقم.

من أبصر أقصر.

من أكثر أهجر.

من دام لفظه كثر سقطه.

من تفكر أبصر.

من كانت له فكرة فله من كل شيء عبرة.

من انتهز الفرصة أمن الغصة.

من كان في الشدة فهو حقيق بالحدة.

من سكت فسلم كان كمن قال فغنم.

من كره النطاح لم ينل النجاح.

من كان له في نفسه واعظ كان له من الله حافظ.

من نال استطال.

من جاد ساد.

من كساه الحياء ثوبه، حجب عن العيون عيبه.

من كرم محتده حسن مشهده.

من خبث عنصره ساء محضره.

من خان هان.

من أدمن قرع الباب ولج.

من استوطأ مركب الصبر فلج.

قال الشاعر:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم  *  فأقم عليهم مأتماً وعويلاً

قال الحكماء: (القناعة دليل الأمانة، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة، والزيادة دليل بقاء النعمة، والحياء دليل الخير كله).

قال الحسن: (أربع من كنّ فيه كان كاملاً: ومن تعلّق بواحدة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، وعقل يسدده، وحسب يصونه، وحياء يقوده).

إذا لم تخش عاقبة الليالي  *  ولم تستح فاصنع ما تشاء

فلا وأبيك ما في العيش خير  *  ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيا بخير  *  ويبقى العود ما بقي اللحاء

قال بعض الصالحين: (إن القلب إذا حُرِمَ الحياء أصبح لا خير فيه، وإن عمارة القلب تكون بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير).

قال الشاعر:

فالناس هذا حظه مال وذا  *  علم وذاك مكارم الأخلاق

فإذا هديت لخصلة محمودة  *  فقد اصطفاك مقسم الأرزاق

قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضرَّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى».

قال العلامة المناوي رحمه الله: (فالدنيا لا تذم لذاتها فإنها مزرعة الآخرة، فمن أخذ منها مراعياً للقوانين الشرعية أعانته على آخرته).

وقد قيل: (لا تركن إلى الدنيا، فإنها لا تبقي على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها).

قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: (من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصّلاة على النبي محمّد صلى الله عليه وسلم ثم يسأل حاجته ثم يختتم بالصّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله عزّوجل يقبل الصّلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما).

قال أبو حازم الأعرج:

(لأن أُحْرَم الدّعاء أشد عليّ من أن أحرم الإجابة).

سمع أبوعلي الدقاق رحمه الله تعالى يقول: (إذا بكى المذنب فقد راسل الله عزّوجل).

قال سيدنا علي رضي الله عنه: (ارفعوا أفواج البلايا بالدّعاء).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يَهْلِك مع الدعاء أحد).

قال صاحب الرسالة القشيرية: (الخلق الحسن أفضل مناقب العبد، يظهر جواهر الرجال، والإنسان مستور بخلُقه مشهود بخَلْقه).

قال سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه:

(حسن الخلق ثلاث خصال: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال).

وقال الحسن رحمه الله تعالى: (حسن الخلق هو بسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى).

وقال الواسطي: (هو أن لا يخاصم ولا يُخاصم من شدة معرفته بالله تعالى).

وقال أيضاً: (حسن الخلق هو إرضاء الخلق في السّراء والضّراء).

قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: (لأن يصحبني فاجر حسن الخلق، أحب إليّ من أن يصحبني عابد سيء الخلق).

قال بشر بن الحارث: (النظر إلى البخيل يقسي القلوب).

قيل لحكيم: (ما بال الشّيخ أحرص على الدّنيا من الشّاب).

فأجاب: (لأنه ذاق من طعم الدّنيا ما لم يذقه الشّاب).

قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه:

(أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع).

وقال أيضاً: (ما الخمر صرفاً بأذهب لعقول الرّجال من الطّمع).

وقال فيلسوف: (العبيد ثلاثة: عبد رق، وعبد شهوة، وعبد طمع).

وقال بعضهم: (من أراد أن يعيش حراً أيام حياته، فلا يُسكن في قلبه الطّمع).

وقال بعضهم شعراً:

لا تغضبنّ على امرئِ * لك مانع ما في يديه

وغضب على الطمع الذي * استدعاك تطلب ما لديه

قال سيدنا عيسى عليه السلام: في المال ثلاث آفات:

أن يؤخذ من غير حله، فقيل إن أخذه من حله.

فقال: يضيعه في غير حقه، فقيل: إن وضعه في حقه.

قال: يشغله إصلاحه عن الله تعالى.

وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه: (الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين).

قال الشاعر:

وما المرء إلا بإخوانه * كما يقبض الكف بالمعصم

ولا خير في الكف مقطوعةً * ولا خير في الساعد الأجذم 
 
وفي هذا يقول سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه:

إن أخاك الحق من كان معك * ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك * شتت فيك شمله ليجمعك

قال بعض العلماء: (لا تصحب إلا أحد الرجلين: رجل تتعلم منه شيئاً في أمر دينك فينفعك، أو رجل تعلمه شيئاً في أمر دينه فيقبل منك. والثالث: فاهربْ منه).

قال سيدنا عيسى عليه السلام: (تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربّوا إلى الله بالتباعد منهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم. قالوا يا روح الله: فمن نجالس؟.

قال: جالسوا من تذكركم اللهَ رؤيتُه، ومن يزيد في عملكم كلامه، ومن يرغبكم في الآخرة عمله).

قال ابن المبارك:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع

قال جعفر الصّادق رضي الله عنه: (لا تصحب خمسة:الكاذب: فإنك منه على غرور، وهو مثل السّراب يقربّ منك البعيد، ويبعد عنك القريب.

والأحمق: فإنك لست منه على شيء يريد أن ينفعك فيضرك.

والبخيل: فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه.

والجبان: فإنه يسلمك، ويفر عند الشدة.

والفاسق: فإنه يبيعك بأكله أو أقل منها. فقيل: ما أقل منها؟.

قال: الطّمع فيها ولا ينالها).

وقال سيدنا علي رضي الله عنه:

فلا تصحب أخا الجهل * وإياك وإياه

فكم من جاهل أردي * حليماً حين آخاه

يقاسُ المرء بالمرء * إذا ما المرء ما شاه

قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: (الوحدة خير من جليس السّوء، والجليس الصّالح خير من الوحدة).

قال الشاعر صالح عبد القدوس في الحكم:

واحذرْ مؤاخاة الدنيء لأنه * يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربّ

واختر صديقك واصطفيه تفاخراً * إن القرين إلى المقارن ينسبُ

ودعِ الكذوب ولا يكن لك صاحباً * إن الكذوبَ لبئس خلاً يصحبُ

وذر الحقود وإن تقادم عهده * فالحقدُ باقٍ في الصدور مغيبُ

واحرص على حفظ القلوب من الأذى * فرجوعها بعد التنافر يصعبُ

قال بعض الحكماء: (لا تصحب من يتغير عليك عند أربع: عند غضبه ورضاه، وعند طمعه وهواه).

* قال الشاعر:
اصبر على حسد الحسود فإن صبرك قاتله * فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله
* سُئِل ابن الجوزي: أيهما أفضل أُسبِّح أو أستغفر ؟ فقال ابن الجوزي: (الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من إلى البخور).
* وقال الشاعر في بيان حال الفقير [من البحر الكامل]:
يمشي الفقير وكُلَّ شيء ضِدَّه * والناسُ تُغلقُ دونه أبوابها
حتى الكلاب إذا رأت رَجُلَ الغنى * حَنَّت إليه وحَرَّكت أذنابها
* طرفة:
مرَّ رجل بأبي الحارث جمَّيز ، فسَلَّم عليه بسوطه ، فلم يرد عليه ، فقيل له في ذلك ، فقال: إنه سَلَّم عليَّ إيماءً ، فرددت عليه بالضمير !!
* قالوا: الرزق مقسوم ، والحريص محروم ، والبخيل مذموم ، والحسود مغموم.
* وقال الشيخ هشام الحمصي [من البحر الطويل]:
ومن أعجبِ الأشياءَ أنَّك لا تدري * وأنك لا تدري بأنك لا تدري
فإن كنت لا تدري ولم تك بالذي * يسائلُ من يدري فكيف إذاً تدري
تمامُ العمى طولُ السكوت وإنما * شفاءُ العمى يوماً سؤالك من يدري
* سُئِلَ رسول الله عليه الصلاة والسلام عن أفضل الإيمان فقال: (أن تحب لله وتبغض لله ، وتُعمِل لسانك في ذكر الله تعالى).
* العالم طبيب الأمة ، والدنيا داؤها ، فإذا كان الطبيب يطلب الداء ،فمتى يبرئ غيره؟؟
* الإنسان الناجح يرى في العمل أملاً ، والإنسان الفاشل يرى في العمل ألماً.
* ما من محنة إلا وفي طيّاتها منحة بل مِنَح ، فلا تخلو محنة من منحة ، لأن الله تعالى لا يخلق شرّاً محضاً.
- إذا لم تصن عرضاً وتخشى خالقاً * وتستحي مخلوقاً فما شئت فاصنع
- لا صديق لملول ، ولا وفاء لكذوب ، ولا راحة لحسود ، ولا مروءة لبخيل ، ولا سؤدد لسيء الخلق.
- إذا كان الشغل مجهدة ، فالفراغ مفسدة.
ظفر الكريم عفوٌ ، وعفو اللئيم عقوبة.
- وكن شاكراً لله في كل نعمة * يثبك على النعمى جزيل المواهب.
- قال الشاعر: وذي سفه يواجهني بجهل * وأكره أن أكون له مجيباً
- قالوا: من نمّ لك نمّ عليك..
ومن نقل لك نقل عنك..
ومن إذا أرضيته قال ما ليس فيك.. فإذا أغضبته قال فيك ما ليس فيك.
- قال الشاعر: كن ابن من شئت واكتسباً أدباً * يُغنيك محموده عن النسب.
- اكتبوا أحسن ما تسمعون ، واحفظوا أحسن ما تكتبون ، وتحدّثوا بأحسن ما تحفظون.
- لو كانت الذنوب تفوح لما جلس أحد إلى جوار أحد أبداً.
- كل شيء يعزّ إذا قل ، والعقل كلام كثر كان أعز وأغنى وأغلى.
- قال الشاعر: أفادتني التجارب كل عزٍّ * وهل عزٌ أعزُّ من القناعة.
- قال الشاعر: الموت لا والد يبقي ولا ولداً * هذا السبيل إلى أن لا ترى أحداً
- (سُئل الإمام الأوزاعي عن حكم الإسلام في لبس السواد فأجاب قائلاً:
أكرهه ولا أحرمه.. فسئل عن سبب قوله هذا فقال:
لقد قلت ما قلت في حكم لبس الثياب السوداء.. وذلك لأنه لا تجلى فيها عروس ، ولا يُلبي فيها حاجّ ، ولا يكفّن فيه ميت).
- قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سرتك حسنتك ، وساءتك سيئتك فاعلم أنك مؤمن).
- قال الشاعر:
(وما من كاتب إلا سيفنى * ويُبقي الدهر ما كتبت يداه).
- سُئل العباس رضي الله عنه عمّ الرسول عليه الصلاة والسلام: من أكبر أنت أو سول الله عليه الصلاة والسلام ؟ فقال: هو أكبر مني غير أني ولدت قبله).
- قال ابن المقفع: (الدنيا كالماء المالح كلما ازددت منه شرباً ازددت عطشاَ).
- (لا تقل بغير تفكير ، ولا تعمل بغير تدبير).
- (قال مصطفى السباعي رحمه الله:
احتفظ بوقارك في أربعة مواطن:
في مذاكرتك مع من هو أعلم منك وتعليم لمن هو أكبر منك.
ومخاصمتك مع من هو أقوى منك ومناقشتك مع من هو أسفه منك).
- يقول الشاعر:
(إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت * ولن تلين إذا قوّمتها الخشب).
-(لا تفرح بالطاعة لأنها ظهرت منك ، ولكن افرح بالطاعة لأن الله تعالى جعلك لها أهلاً).
-( لا تنظر إلى صِغَرِ المعصية.. ولكن انظر إلى من عَصَيت !!! ).
-( يقول الشاعر:
إن الطبيب له علم يَدُلُّ به * إن كان للمرء في الأيام تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته * حَارَ الطبيب وخانته العقاقيرُ).
-( من اعتمد على ماله قَلَّ..
ومن اعتمد على سلطانه ذَلَّ..
ومن اعتمد على عقله اختَلَّ..
ومن اعتمد على علمه ضَلَّ..
ومن اعتمد على الناس مَلَّ..
ومن اعتمد على الله.. فلا قَلَّ ولا ذَلَّ ولا اختَلَّ ولا ضَلَّ ولا مَلَّ..).
-(أعظم الكرامة لزوم الاستقامة).
-( ليس من شيء أطْيَبُ من اللسان والقلب إذا طَابَا ، وليس من شيء أَخْبَثَ منهما إذا خَبُثَا)
-(ما وُضِعَ الرِّفْقُ في شيء إلا زَانَه ، ولا نُزِعَ من شيء إلا شَانَه ).
-(قال الحسن بن علي رضي الله عنهما لابنه: يا بني إذا جالست العلماء فكن على أ ن تسمع أحرص منك على أن تقول ، وتَعَلَّم حُسْن الاستماع كما تتعلم حُسْنَ الصمت ، ولا تقطع على أحد حديثه وإن طال حتى يُمْسِك).
-(إذا أبغض الله عبداً أعطاه ثلاثاً:
* يحبب إليه الصالحين ويمنعه الاقتداء بهم.
* يحبب إليه الأعمال الصالحة ويمنعه الإخلاص فيها.
* يجري على لسانه الحكمة ويمنعه العمل بها).
-(كل سكوت لا يكون فيه فكر فهو سهو ، وكل كلام لا يكون حكمة فهو لغو ، وكل نظر لا يكون عبرة فهو لهو).
-(قال العلماء: راحة القلب في قلة الآثام ، وراحة البطن في قلة الطعام ، وراحة اللسان في قلة الكلام).
-(إذا أرَدت أنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِنْدَ الله فانظر فيماذا يُقِيْمَك ).
-(قال الحسن البصري: [إن الله تعالى لم يجعل للمؤمن راحة دون الجنة].
-(صفة المخلص: إذا نظر اعْتَبَرَ ، وإذا صَمَتَ تَفَكَّرَ ، وإذا تَكَلَّمَ ذَكَرْ ، وإذا مُنِعَ صَبَرْ وإذا أُعْطِيَ شَكَرْ ، وإذا عَلِمَ تَواضَعَ وإذا عَلَّمَ رَفَقْ ).
-(قال عبد الله بن عباس: إنَّ للحسنة ضِيَاءً في الوجه ونوراً في القلب ، وَسَعَة في الرزق وقوةً في البدن ، ومحبة في قلوب الخلق... وإنَّ للسيئة لظلمة في الوجه واسوداداً في الوجه ، ووَهَناً في البدن ونقصاً في الرزق ، وبُغضاً في قلوب الخلق ).
-( يقول الشاعر:
موت التقي حياة لا فناء لها * كم مات قوم وهم في الناس أحياء ).
- يقول الشاعر:
(إن عيب الفتى ما قد أتى بفعاله * وليس عيب الفتى ما كان خلقاً مُصوَّراً).
- يقول عباس محمود العقاد: ( اقرأ كتاباً جيداً ثلاث مرات ، أنفع لك من أن تقرأ ثلاثة كتب جديدة).
- يقول ابن الجوزي: (ينبغي للعاقل أن يقنع بالغاية التي ينتهي إليها جهده ، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض).
- يقول الشاعر:
(الناس من عرب ومن عجم * بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ).
- يقول أحد الحكماء: (اعلم أنه لن يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنياً).
- (إذا تكلمت بكلمة فاعتبرها قبل أن تتكلم بها ، فإنك مالكها مالم تخرجها من فيك ، فإذا أخرجتها ملكتك فتصير أسيراً لها).
- يقول الشاعر:
(كم من صحيح مات من غير علة * وكم من سقيم عاش حيناً من الدهرِ).
- (إذا أردت أن تعرف قدرك عند الله فانظر فيماذا يٌقِيمك ؟؟).
- إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
- خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنوا إليكم.
- أن تضيء شمعة صغيرة خير لك من أن تنفق عمرك تلعن الظلام !!.
- سأل الممكن المستحيل : أين تقيم ؟ فأجابه في أحلام العاجز.
- الابتسامة كلمة طيبة بغير حروف.
- الحياء حسن وفي النساء أحسن.
- حسن الخلق يستر كثيراً من السيئات كما أن سوء الخلق يغطى كثيراً من الحسنات.
- قليل من العلم مع العمل به .. أنفع من كثير من العلم مع قلة العمل به ..
- خاطبوا الناس على قدر عقولهم.
- قال الشاعر:
وما الناس إلا هالك وابن هالك * وذو نسب في الهالكين عريقُ.
- رأى حكيم رجلاً يُكثِر من الكلام ويقلل من السكوت فقال له: (إن الله تعالى إنما خلق لك أذنين ولسناً واحداً ، ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به).
- قالوا: (إذا جالست الجهال فأنصت لهم و إذا جالست العلماء فأنصت لهم ، فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم ، وفي إنصات للعلماء زيادة في العلم).
- قال عمر بن عبدالعزيز: (القلوب أوعية الأسرار والشفاه أقفالها ، والألسن مفاتيحها فليحفظ كل امرئ مفتاح سره).
- قال عليه الصلاة والسلام: "إن ليرفع بهذا الكتاب -أي القرآن- أقواماً ويضع به آخرين".
- قال أحد الحكماء:
(عندما تولد يا ابن آدم يؤذن في أذنك من غير صلاة.. وعندما تموت يُصلى عليك من غير أذان.. وكأن حياتك في الدنيا ليست سوى الوقت الذي بين الأذان والصلاة.. فلا تقضيها بما لا ينفع).
- يقول الشاعر:
ما حكَّ جلدك مثل ظفرك * فتولّى أنت جميع أمرك.
- قال الإمام أحمد:
(الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين ، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه).
- من قنع من الدنيا باليسير هان عليه كل عسير.
- قال الشاعر:
لسانك لا تذكر به عورة امرئ * فكلك عورات وللناس أعينُ.
وعينك إن أبدت إليك معيباً * فصنها وقل يا عين للناس أعينُ.
- القلوب أوعية والشفاه أقفالها والألسن مفاتيحها فليحفظ كل إنسان مفتاح سره.
- دقيقة الألم ساعة .. وساعة اللذة دقيقة.
- لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً.
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
وكنْ حافظاً عهدَ الصديقِ وراعياً * تذقْ من كمالِ الحفظِ صفوَ المشاربِ وكنْ شاكراً للَّهِ في كلِّ نعمةٍ * يثبْكَ على النُّعمى جزيلَ المواهبِ
- لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قيل.
- ليس بالرجال يُعْرف الحق ، بل بالحق يُعْرف الرجال.
- يقول الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل * خلوت ولكن قل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبن الله يغفل ساعة * ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
- قالوا: المروءة أن يبذل الإنسان لك ماله عند الحاجة ، ونفسه عند النكبة ، ويحفظك عند المغيب.
- وقالوا: الحق جميل في أعين محبيه قبيح في نظر مبغضيه ، وهذا سرّ تعلق أولئك به ، ونفرة هؤلاء منه.
- كلام العاقل يعتدل كاعتدال الجسم الصحيح ، وكلام الجاهل يتناقض كاختلاط الجسم المريض.
- اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل.
- قال الشاعر:
من خالفت أقواله أفعاله * تحولت أفعاله أفعى لهُ.
من أظهر السرّ الذي في صدره * لغيره وهَالهُ وهى لهُ.
ومن نأى عن الحرام طالباً * من رُشده حلاله حلى لهُ.
- المؤمن مشغول بالفكر والعبر ، والمنافق مشغول بالحرص والأمل.
- المؤمن آيس من كل أحد إلا الله تعالى ، والمنافق راجٍ لكل أحد إلا الله تعالى.
- المؤمن يقدم ماله دون دينه ، والمنافق يقدم دينه دون ماله.
- قال الشاعر:
عليكَ نحتُ القوافي من معادنها * وما عليك إذا لم تفهم البقرُ
- إذا كنت مخلصاً... فليكن إخلاصك إلى حد الوفاء، وإذا كنت صريحاً فلتـكن صراحتك إلى حد الاعتراف..
- (الناجح: يرى في العمل أملاً، والفاشل: يرى في العمل ألماً).
- قال الشاعر:
سامِحْ أخاك إذا خَلَطْ * مِنْهُ الإصابةُ والغَلَطْ
وتَجَافَ عــن تعنيفهِ * إن زاغ يوماً أو قَسَطْ
واعلمْ بأنك إِنْ طَلَبْتَ * مُهَذَّبَاً رُمْتَ الشَّطَطْ
مَنْ ذا الذي ما سَاء قَطْ * ومَنْ له الحسنى فَقَطْ
- إذا رأيتم النعم مستدرة فبادروها بتعجيل الشكر قبل حلول الزوال فبالشكر تدوم النعم وتُدفع النقم.
- قال الشاعر:
قد تُنكر العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدٍ *** وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَمِ
- كن ليناً من غير ضعف وشديداً من غير عنف..
- كل شيء إذا كثر رخص إلا الأدب فإنه إذا كثر غلا.
- واحفظ لسانك لا تقول فتبتلى * إن البلاء موكل بالمنطقِ
- قال الشاعر:
ما ضرَّ شمس الضحى وهي طالعة * ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصرِ
- قال عمر بن عبدالعزيز: (لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويُطيعه في السِّر).
- سمع مسلم بن يسار رجلاً يدعو على أخ له ظلمه ، فقال له: (لا تدعُ عليه ولا تقطع رحمك، وفوِّض أمره إلى الله، إن خطيئته أشد عليه من أعدى عدو له).
- العلوم أقفال، وحسن السؤال مفاتحها.
- كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً، أو محباً للعلم، ولا تكن الخامس فتهلك.
- سُئل أحد الزهاد:
* كم آكل؟ فقال: فوق الجوع ودون الشِّبع.
* كم أضحك؟ فقال: حتى يسفر وجهك، ولا يُسمع صوتك.
- سئل الحسين عن التواضع.. فقال: هو أن تخرج من بيتك، فلا تلقى أحداً إلا رأيت له الفضل عليك.
- وقال رجلٌ لحكيم: علمني التواضع.. فقال الحكيم: (إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: سبقني إلى الأعمال الصالحة، فهو خيرٌ مني.. وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والعمل السيء فأنا شرٌّ منه).
- شتم رجل الإمام الشعبي ، فقال له الإمام: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك.
- وشتم رجل أبا ذر، فقال أبو ذر: يا هذا إن لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.

من وصية ابن شداد لابنه:

(عليك بتقوى الله العظيم، وليكن أَوْلَى الأمر شكر الله وحسن النية في السر والعلانية فإن الشكور يزداد، والتقوى خير زاد).

قال بعض العلماء من لم تشبعه القناعة لم يكفه ملك قارون:

 

هي القناعة لا تبغي بها بدلاً * فيها النعيم وفيها راحةُ البدن

انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها * هل راح منها بغير القطن والكفن؟

 

قال بعض السلف: (لا تظلمن الضعفاء فتكون من شرار الأقوياء).

قال الطبري: (في التواضع مصلحة الدين والدنيا، فإن الناس لو استعملوه في الدنيا لزالت من بينهم الشحناء، ولاستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة).

قال مطرف بن الشخير:

(لأن أبيت نائماً، وأصبح نادماً، أحب إلى من أن أبيت قائماً، وأصبح معجباً).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه:

(الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب).

وقال بعض السلف: (أول خطيئة عُصي الله بها هي الحسد، حسد إبليس آدم أن يسجد له فحمله الحسد على المعصية).

قال الشاعر:

لو كلَّ كلب عوى ألقمته حجراً * لأصبح الصخر مثقالاً بدينار

ولم أر كالمعروف، أما مذاقه * فحلو، وأما وجهه فجميل

وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل

وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع

وعاجز الرأي مضياع لفرصته * حتى إذا فات أمر عاتب القدر

 
مبادئ تربوية قرآنية

في كتاب ربنا جل وعلا آيات كريمات كثيرة تتضمن فوائد عظيمة في تربية أنفسنا وتزكيتها وفي علاج مشكلاتنا، فوائد تعيننا على إدراك أدب الإسلام، والتحلي به في الأمور كلها.. ونذكر هاهنا بعض أمثلة من تلك الآيات التي قد نقرؤها ولا نلتفت إلى ما فيها من معانٍ وفوائد تربوية.. لكن مع التأمل ندرك منها ما كان خافيًا وما كنا عنه في غفلة، فمن ذلك مثلاً:

1ـ قوله تعالى في أول سورة الأنفال: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].

كثيرًا ما نتنازع في بعض الأمور، وربما كانت أمورًا دينية، ويتطور النزاع وتسوء فيه أخلاقنا، وننسى أن التنازع وسوء الخلق أكبر عند الله من تلك الأمور التي نتنازع فيها، ثم قد يتدخل أناس لحل النزاع فيكون هَمُّ كل منهم الانتصار لهذا الرأي أو ذاك، ولا نكاد نجد رجلاً رشيدًا يقول للقوم: إن ضياع الألفة والإخاء وفساد ذات البين أعظم مما تتنازعون فيه، لا تكاد تجد رجلاً ينقلهم من قضية التنازع الفرعية إلى الأهم وإلى الأصل الضائع، ولكن القرآن الكريم يعلمنا أن نكون كلنا ذلك الرجل الرشيد الذي يعرف المدخل الصحيح للتوجيه، فإن في الإسلام أصولاً لا يعوضها غيرها مما يتنازع فيه الناس، وتقوى الله والألفة وصلاح ذات البين من هذه الأصول العظيمة، وأهم من قضية تقسيم الغنائم بهذه الطريقة أو تلك {قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم}..

إذًا فالقرآن يعلمنا كيف يكون التوجيه والتربية والمدخل لمعالجة كثير من مشكلاتنا من خلال معالجة القرآن لاختلاف المسلمين بعد غزوة بدر في تقسيم الغنائم، ولم يكن اختلافهم بسبب الطمع في الدنيا، ولكن لارتباط الأنفال بذلك الوقت بحسن البلاء في المعركة، وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء، وكان الناس ـ يومئذ ـ حريصين على هذه الشهادة من الله تعالى ومن رسوله الله صلى الله عليه وسلم في أول وقعة يشفي الله فيها صدورهم من المشركين.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه قد شجعهم على حسن البلاء، وأخبرهم أن العطاء سيكون على قدر البلاء الحسن كما في السنن عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال صلى الله عليه وسلم: ((من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا))، فكان حرصهم على أعطيتهم من الغنائم لا لدنيا وإنما لأن ما يُعطونه معبر عن أنه شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وتقديره لهم؛ فكلهم حرص على هذا، ولكن القرآن يعلمهم ولو كان الأمر كذلك، إلا أنه لا ينبغي بحال أن يهدر بسببه الإخاء والأدب بينهم..

فقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبي أمامه رضي الله عنه قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: (فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء، يقول: عن سواء).

وروى الإمام أحمد أيضًا عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب؛ وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين حدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فنزلت {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [لأنفال:1] اهـ. دعوكم من قسمة هذه الأنفال ودعوا ذلك لله وللرسول، وأقبلوا على ما هو أهم من كل ذلك {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}..

ولذلك أخي الداعية إذا ما قدّر لك يومًا أن تكون بين متنازعين فلا يكن كل همك الخوض معهم في النزاع للانتهاء إلى هذا الرأي أو ذاك.. وربما كان في القضية ما هو أعظم مما تنازعوا فيه من سوء خلق أو فرقة وشقاق أو نحو ذلك.. فلا تتحرج أن تبدأ بإصلاح ما انخرم من الأصول قبل الفروع.. قد يتناقش اثنان ويخاطب كل منهما الآخر بأسلوب خارج عن أدب الإسلام، فإياك أن تتعدى هنا الخطأ، ولا تنكره وتسارع إلى محتوى النقاش، بل هذبهم أولاً وعلمهم كيف يتناقشون.. ويحفظون أدب الإسلام وأخوّته.. قبل أن تبين لهم ما اختلفوا فيه، بل كن مهتديًا بهدي القرآن.. وما أعظم تربيته للنفوس ومعالجته للمشاكل {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].

 2ـ قوله تعالى في سورة التوبة: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:43].

هذه الآية في شأن أناس قالوا: استأذِنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا ـ أي عن الخروج للغزو والجهاد ـ ولهذا قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي في إبداء الأعذار {وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}. يقول ابن كثير رحمه الله: هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرِّين على القعود عن الغزو وإن لم تأذن لهم فيه. (تفسير ابن كثير 2/345).

فهذه الآية الكريمة نستفيد منها فائدتين تربويتين:

الأولى: ضرورة تمحيص الأتباع بالمواقف العملية، واختبار الصدق والطاعة وعدم الاغترار أو الاعتماد على مجرد الكلام الجميل أو الحماس الذي لم يترجم في الواقع بعد. وفي هذا فائدة للمربي والقائد كي يكون على بصيرة ويعرف من معه واقعًا وعملاً، ومن معه بالكلام والدعاوى.

وكما أن فيه فائدة للأتباع وهي إحراجهم أمام نفوسهم حتى يراجعوا أنفسهم، فلعلهم يتوبون ويصدقون.. أو على الأقل يقطع الطريق عليهم حتى لا يستمروا في التمثيل والدعاوى الباطلة ومخادعة العاملين المخلصين بالأقوال المعسولة.. فإذا جد الجد ظهر الخذلان ووقعت الصدمة، وقال الحسن رحمه الله: اعتبروا الناس بأعمالهم، ودعوا أقوالهم، فإن الله لم يدع قولاً إلا جعل عليه دليلاً من عمل يصدقه، فإذا سمعت قولاً حسنًا فرويدًا بصاحبه، فإن وافق قوله عمله فنعم ونعمة عين.

وفي هذا المعنى أيضًا، ذلك التوجيه الرباني في قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور:53]، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النساء:81].

والفائدة التربوية الثانية في الآية: تكمن في تعليمنا أسلوبًا من أساليب عتاب الأحبة المخلصين إذا أخطأوا، وذلك بتقديم العفو قبل المعاتبة كما في قوله تعالى لرسوله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}.. عن عون رضي الله عنه قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة، فقال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}.

فهذا نتعلم منه أدبًا في عتابنا للأحبة المخلصين؛ حيث لا نجعله عتابًا جافًا، بل نبدؤه بما يؤكد الحب والمودة، بل لا بأس بشيء من الثناء بالحق على جوانب الخير في المعاتب، فهذا كله من حسن المعاتبة.

قال ابن حزم رحمه الله: حالان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما، وهما: المعاتبة والاعتذار، فإنه يحسن فيهما ذكر الأيادي وذكر الإحسان، وذلك غاية القبح فيما عدا هاتين الحالتين؛ لأنه يصير من قصد مدح النفس.

3ـ قوله تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]..

فهذه الآية الكريمة تربي فينا المنطق الحسن الجميل وعفة اللسان والاحتشام في الكلام، وذلك حين نجد في هذه الآية أن الله عز وجل يعبر عن قضاء الحاجة في الغائط وهو المكان المطمئن من الأرض، فكنّى الله عز وجل بهذا عن التغوط أو التبرز، فلم يقل: إذا عملتم كذا وكذا.. بل يكتفي بالعودة من هذا المكان كناية عما تم فيه، ومع هذا لا يسند الفعل إلى المخاطبين، فلا يقول: أو جئتم من الغائط، بل يقول: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} زيادة في أدب الخطاب ولطف الكناية، ليكون هذا الأدب نموذجًا للبشر حين يتخاطبون.

كما نجد أدبًا رفيعًا فريدًا احتفى به القرآن دون غيره من سائر الكلام، وذلك حين يعبر عما يكون بين الرجل وامرأته بقوله: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}، ومن المعلوم أن لفظ الجماع لم يرد ولا مرة واحدة في القرآن، والتعبير بالملامسة أرق وأحشم وأرقى، والملامسة قد تكون مقدمة للفعل أو تعبيرًا عنه، وعلى أية حال فهو أدب يضربه الله للناس في الحديث عن مثل هذه الشئون عندما لا يكون هناك مقتضٍ للتعبير المكشوف .

هذا طرف يسير وقليل من كثير من الآداب والفوائد التربوية في كتاب الله الكريم.. ندعو الله أن ينفعنا بها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* المصدر: موقع الشبكة الإسلامية.


أثر العبادات في تهذيب النفوس

من محاسن الإسلام العظيمة أنه دين شامل لكل نواحي الحياة، فلا انفصال فيه بين العبادة والسلوك ، ولا بين العلم والعمل.

ومما لا شك فيه أن من أعظم غايات العبادات التي شرعها الإسلام ـ وجوبا أو استحبابا ـ هو تزكية النفوس وتهذيبها والترقي بها نحو محاسن الأخلاق ومكارمها بحيث يصير المسلم المقيم لفرائض الله تعالى من أحسن الناس أخلاقا وأنبلهم سلوكا وأكرمهم شيما.وهذه الغاية نلمسها في كل شعيرة من شعائر الإسلام وكل ركن من أركانه.

فالصلاة التي هي أهم الأركان في الإسلام بعد توحيد الله تعالى نجد أنها من أعظم وسائل تزكية النفوس، كما قال الله تعالى: ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).

ولهذا لما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: إن فلانا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق.قال:  " سينهاه ما تقول" أو قال: "ستمنعه صلاته". ( رواه أحمد وغيره بسند صححه الألباني رحمه الله)

فكأن حقيقة الصلاة أنها تزكية للنفس وتطهير لها من الأخلاق الرديئة والصفات السيئة.

والصيام من غاياته العظمى تحقيق التقوى كما قال الله تعالى: (يا  أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). ولا تتم التقوى عند العبد إلا إذا حسن خلقه مع خلق الله تعالى ، ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الوصية بالتقوى والوصية بحسن الخلق حين قال: " اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن " .وذلك لأن بعض الناس يظن انه بإحسانه عبادة الله يمكنه ان يتخلى عن المعاملة الكريمة الحسنة مع الخلق فوجههم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة الجمع بين تقوى الله وحسن الخلق.

كما وجه النبي صلى الله عليه وسلم الصائم إلى ضرورة التحلي بالحلم وحسن الخلق حين قال مخاطبا  الصائمين:" فإذا كان يوم صوم  أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم...." الحديث.

والزكاة كذلك هي عبادة وفريضة وهي أيضا وسيلة من أعظم وسائل تطهير النفس من البخل والشح والأنانية، وزرع معاني الفضيلة والألفة والرحمة والشفقة، ولهذا قال الله عز وجل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).

أما الحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام فإننا نرى له أثرا عجيبا في إصلاح الأخلاق وتهذيب السلوك كيف لا والله عز وجل يقول: (الحج  أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)

وحين يفسر النبي صلى الله عليه وسلم برّ الحج بأنه" لين الكلام وإطعام الطعام" فإننا نجد لذلك أثرا عظيما في سلوك كثير من حجاج بيت الله الحرام حين يحرصون على أن يكون حجهم مبرورا فيلينون بين أيدي إخوانهم، ويتحملون منهم من التصرفات والأفعال والأقوال في الحج ما قد لا يحتملونه في غير الحج حتى إنك ترى الرجل أثناء إحرامه يحرص على تجنب الجدل والمراء، بل لا يرد الإساءة بمثلها وهو نفسه الذي لو أوذيَ أو أُسيء إليه قبل تلبسه بالإحرام لثار وهاج وماج لكنه أثر العبادة على خُلُقه وسلوكه.

ولو أن المسلمين استلهموا هذه الروح واستشعروا هذه الغاية من عباداتهم في كل أحوالهم لتحسنت الأخلاق كثيرا ولنعم المجتمع المسلم بعلاقات ملؤها الحب والمودة والرحمة لكن الواقع المُشاَهد يجعل العبد يوقن بأن بعض الناس ربما  استفاد لحظيا أو وقتيا من أثر عبادته لكن الأثر لم تكن له صفة الدوام والاستمرار، وهذا بلا شك خللٌ في التطبيق يحتاج إلى التذكير بأن من أعظم غايات  تشريع العبادات في الإسلام تزكية النفوس وتقويمها ونهيها عن غيِّها والابتعاد بها عن مساوئ الأخلاق وسفاسف الأمور.

* المصدر: موقع الشبكة الإسلامية.


حكم قراءة البسملة

اتفق العلماء على أن البسملة آية من آيات القرآن الكريم واختلفوا في حكمها بعد ذلك هل هي آية من كل سورة وردت في أولها ؟ أم هي آية من سورة النمل فقط ؟ أم هي آية في أول سورة الفاتحة ؟
قال عاصم وقالون الكسائي وابن كثير : بقراءة البسملة بين كل سورتين ما عدا سورة براءة , وقال حمزة : بعد قراءتها بين السورتين : وسئل نافع عن قراءة البسملة في أول سورة الفاتحة فأمر بها وقال : أشهد أنها آية من السبع المثاني وأن الله أنزلها .
واستدل القائلون بقراءة البسملة بين كل سورتين ما عدا براءة بما روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل( بسم الله الرحمن الرحيم )
كما استدلوا على ما ذهبوا إليه بثبوتها في المصحف بين جميع السور ما عدا سورة براءة .
واستدل القائل بعد قراءة البسملة بين السورتين بما يأتي :
أولا : يقول ابن مسعود رضي الله عنه كنا نكتب باسمك اللهم فلما نزلت ( بسم الله مجريها ([هود41]
كتبنا : ( بسم الله ) فلما نزل قوله تعالى ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياًّ مَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى ([الإسراء110 ]
كتبنا : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فلما نزلت آية النمل ( إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم )(النمل 30) . كتبناها
فهذا دليل على أنها لم تنزل في أول كل سورة من السور .
ثانيا : واستدل القائل ثانياً بعدم قراءة البسملة بأن كل سورتين كآيتين في عدم البسملة وقد جاز الوصل بين آيتين فكذلك السورتان ويكفي بسملة الفاتحة .
أما ورش وأبوعمرو وابن عامر فقد قالوا : إن القارئ مخير بين السكت والوصل .
أما الوصل : فقد استدلوا على جوازه بما استدل به القائلون بالسكت بين السورتين .
وأما السكت : فإن آخر السورة الأولى وأول السورة الثانية آيتان وسورتان وفيه إشعار بالإنفصال لكنهم رجحوا واستحسنوا السكت في أربع سور وهن ما أوله لا , وذلك ما جاء في قوله تعالى : في آخر سورة المدثر(هو أهل التقوى وأهل المغفرة)
ذكر بعدها مباشرة قوله تعالى (لا أقسم بيوم القيامة( [القيامة: 1]
وكرهوا ذكر لا بعد ذكر الجنة في مثل قوله تعالى : في آخر سورة الفجر(فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) ذكر بعدها مباشرة(لا أقسم بهذا البلد ([البلد:1]
وكرهوا الوصل بين قوله تعالى ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله )(الانفطار 19) , وبين قوله ( ويل للمطففين( [المطففين 1:]
كما كرهوا الوصل بين قوله ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر 3] وبين قوله ( ويل لكل همزة لمزة ) [الهمزة:1]
والكراهة إنما هي للتلاصق لا للبس وأما السكت فلحصول الفصل الدافع للتوهم .
واتفق جميع العلماء على عدم البسملة وصلاً وابتداء بين سورتي الأنفال وبراءة لأن البسملة أمان وبراءة ليس فيها أما لنزولها بالسيف أو لأن قصة إحدى السورتين شبيهة بقصة الأخرى وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيان فظن وحدتهما .
وهذا القول مردود , لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز له أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة , كما قال علماء أصول الفقه , وخاصة فيما يتعلق بالقرآن الكريم.
والصحيح ما ذكر السيوطي في كتابه الإتقان أن التسمية لم تكن فيها , لأن جبريل لم ينزل بها .
وقد اتفق القراء على الإتيان بالبسملة في أول سورة ما عدا سورة براءة أما أجزاء السور في غير براءة فالقارئ مخير فيها بين الإتيان والترك .
وقال : وليحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير براءة , لأم أكثر العلماء نص على أنها آية فإذا أخل بها القاريء كان تاركاً لبعض الختمة عند الأكثرين وإذا قرأ من أثناء السورة استحب له ذلك أيضاً .
وبعد أن ذكرنا آراء علماء القراءات في حكم البسملة , نذكر الآن رأي الفقهاء في حكم البسملة هل هي آية من سورة النمل فقط ؟ أن آية من الفاتحة ؟ أم آية من القرآن الكريم ؟
ونذكر آراء الفقهاء وأدلتهم وما يترتب على هذا الخلاف من أثار فقهية مستعينين بالله تعالى في بيان هذا الخلاف :

آراء الفقهاء في حكم البسملة:
رأي أي حنيفة : يرى الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أن البسملة آية تامة من القرآن الكريم أنزلت للفصل بين السور وليست آية من الفاتحة .
رأي مالك : ويرى الإمام مالك رضي الله عنه أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من شيء من سور القرآن .
رأي الشافعية والحنابلة : ويرى الشافعية والحنابلة رضي الله عنهما أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة .
دليل الحنفية : واستدل الحنفية على ما ذهبوا إليه بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فضل السورة , وأنها قد انتهت حتى ينزل عليه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) واستدلوا بالأحاديث الواردة التي تدل على عدم قراءة البسملة في الصلاة الجهرية قبل قراءة الفاتحة وحكموا بأن البسملة آية من سورة النمل وهي آية من القرآن الكريم وليست آية من الفاتحة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وكثيراً من أصحابه رضي الله عنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة أثناء صلاتهم .
كما قالوا : إن كتابة البسملة في المصحف يدل على أنها من القرآن ولكن هذا لا يدل على أنها آية من كل سورة واستدلوا على قرآنيتها بتنزيلها .
وقالوا : إن مجرد تنزيل البسملة يستلزم قرآنيتها .
وقال الجصاص في كتابه أحكام وهو حنفي المذهب : وقد اختلف العلماء في البسملة أهي آية من الفاتحة أم لا ؟ فعدها قراء الكوفة آية منها ولم يعدها قراء البصريين .
وقال : وحكي شيخنا أبوالحسن الكرخي عدم الجهر بها وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة ومذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر بها ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها .
ثم يقول : ومما يدل على أنها ليست من أوائل السور ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سورة في القرآن ثلاثون آية شفهت لصاحبها حتى غفر له ( تبارك الذي بيده الملك ) , وقال الترمذي هذا حديث حسن .
ولو كانت البسملة آية من سورة الملك لكانت ‘حدى وثلاثين آية وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عد السورة ثلاثين آية فقط يدل على أن البسملة ليسة آية من الفاتحة أو من أوائل السور , إجماع القراء والفقهاء على أن سورة الكوثر ثلاث آيات ولو كانت البسملة آية منها لكان عدد آياتها أربع آيات لا ثلاث .
وعلى هذا القول تكون البسملة عند الحنفية ليست من الفاتحة ولا من أوائل السور وإنما جيء بها للفصل بين السور فقط وهي آية من القرآن الكريم فقط .
دليل المالكية : واستدل المالكية على ما ذهبوا إليه بأن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من القرآن وإنما جيء بها للتبرك فقط بالأدلة الآية : استدلوا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون ( بالحمد لله رب العالمين )
وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : قمتُ وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إذا افتتح الصلاة .
وفي هذا الحديث دليل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من القرآن الكريم لأنها لو كانت من الفاتحة أو القرآن لسمعها الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولكن ثبت أن أبابكر وعمر وعثمان كانوا لا يقرءون البسملة فإن هذا يدل على عدم ثبوتها آية من الفاتح أو القرآن كما استدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عزوجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل , فإن قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ) قال الله تعالي : حمدني عبدي . وإذا قال العبد ( الرحمن الرحيم ) قال الله تعالى : أثنى علي عبدي . وإذا قال العبد ( مالك يوم الدين ) قال الله تعالى : مجدني عبدي . فإذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال ( إهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغصوب عليهم ولا الضالين ) قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .
ووجه الدلالة من هذا : أن قوله عزوجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي , يريد بالصلاة هنا : الفاتحة وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بالفاتحة فلو كانت البسملة آية من الفاتحة لذكرت في هذا الحديث القدسي الشريف .
واستدل المالكية أيضا بقولهم : لو كانت البسملة آية من الفاتحة لكان هناك تكرار في ( الرحمن الرحيم ) في وصفين : واصبحت السورة هكذا ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم ) وذلك مخل ببلاغة النظم الكريم .
كما استدلوا أيضا بقولهم : إن كتابة البسملة في أوائل السور وإنما هو للتبرك : ولامتثال الأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور وهي وإن تواترت كتابتها في أوائل السور فلم يتواتر كونها قرآناً فيها .
ويقول ابن العربي : ويكفيك أنها ليست من القرآن إختلاف الناس الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه والأخبار الصحاح التي اتفق عليها العلماء ولم يَرِد عليها طعن تدل على أن البسملة لسيت آية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها .
ثم يقول : إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم وهو المنقول وذلك أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور , ومرت عليه الأزمنة والدهور , من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان الإمام مالك رضي الله عنه ولم يقرأ فيه أحد قد ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إتباعاً للسنة .
بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل , وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها .
دليل الشافعية والحنابلة : استدل الشافعية والحنابلة على أن البسملة آية من الفاتحة بما يأتي : عن قتادة رضي الله عنه قال : سئل أنس كيف كانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام فقال : كانت مدا ثم قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم .
وهذا الحديث يدل على مشروعية قراءة البسملة وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد قراءته في البسملة وقد استدل بهذا الحديث القابلون بقراءة البسملة في الصلاة , لأن كون قراءته على الصفة التي وصفها أنس تستلزم سماع أنس لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ذكره أنس يدل على مطلق قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة أو خارجها .
واستدلوا أيضا بما روته السيدة أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( الحمد لله رب العالمين ) وعد البسملة آية من الفاتحة .
كما أن الصحابة رضوان الله عليه أجمعين أثبتوا البسملة فيما جمعوا من القرآن وكتبوها في المصحف من غير أن ينكر عليهم أحد صنيعهم فدل ذلك على أن البسملة آية من الفاتحة .

المناقشة:
يتضح لنا مما ذكرناه من أدلة الفقهاء أن كل واحد منهم حاول أم يؤكد رأيه بما ذكره من أدلة فيرى أبوحنيفة فيما ذهب إليه أن البسملة آية من القرآن الكريم وقال الشافعية والحنابلة أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة أنا الإمام مالك رضي الله عنه فقد قال : إن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من القرآن ما عدا ما جاء في سورة النمل .
ونرى من أدلة الفقهاء التي ذكرنا بعضاً منها أن رأي المالكية قد جانب الصواب وقولهم يحتاج إلى نظر إذ ليس بلازم أن يقال في كل آية أنها قرآن ويتواتر ذلك بل يكفي أن يقرأها الرسول صلى الله عليه وسلم ويأمر الكتبة بكتابتها في المصحف ويتواتر ذلك عنه .
وقد أجمعت الأمة الإسلامية على أن جميع ما في المصحف الشريف , من القرآن الكريم وصار ذلك إجماعاً منهم على أن البسملة آية من القرآن ونرى المالكية قد استدلوا بحديث أنس بن مالك الذي ذكر فيه أنه صلى خلف الرسول صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وكانوا جمعياً يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ونلاحظ أن أبابكر كان من بين الصحابة الذين لا يقرؤن البسملة وكذا عثمان .
وقد جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه وكانت البسملة فيه ثم نسخ المصحف في عهد سيدنا عثمان وكتبت البسملة في أول الفاتحة وأول كل سورة ولم ينكر عثمان كتابة البسملة في المصحف الشريف .
أما الأحاديث الواردة بعدم سماع الصحابة لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم أو الأحاديث الواردة المؤكدة لسماع الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم أثناء البسملة .
فإننا نرى أن مَن أثبت البسملة لسماعه الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء القراءة فهذا محمول على قرب هذا الصحابي من الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء القراءة فهذا محمول على قرب هذا الصحابي من الرسول صلى الله عليه وسلم أما من لم يسمع منه البسملة فقد كان ذلك لبعده عنه أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها سرا أو كان يقرؤها بصوت مرتفع .
والصحابة لم يسمعوها لأنهم كانوا مشغولين , بالنية والتكبير .
ما يترتب على هذا الخلاف من أثار فقهية
لقد رأينا أن الفقهاء اختلفوا في حكم البسملة هل هي آية من الفاتحة ؟ أو من كل سور ؟ أو ليست من القرآن ؟
وقد ذكرنا أدلة كل فريق من هؤلاء ورأينا أن الباعث على اختلافهم هو تعارض الآثار الواردة في هذا والذي يترتب على هذا الخلاف أن من جعل البسملة آية من القرآن ولم يجعلها من الفاتحة على وجه الخصوص لم يوجب قراءتها في الصلاة , وإنما تقرأ على سبيل الإستحباب فقط وهذا مذهب الحنفية .
أما من يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة من سور القرآن الكريم فإنه أوجب قراءة البسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة وهذا هو مذهب الشافعي وأحمد
وعلى ذلك فإن الصلاة لا تبطل بسبب ترك البسملة إلا عند الشافعي وأحمد رضي الله عنهما .
أما مالك وأبوحنيفة فلا تبطل الصلاة عندهما بسب ترك البسملة .

الترجيح:
والأرجح في هذه المسألة هو القول بقرآنية البسملة وأنها من القرآن الكريم بقطع النظر عن كونها آية من الفاتحة أو آية من كل سورة وأن القول بعدم قرآنية البسملة قول باطل .
كما أن القول بعد تواتر البسملة ممنوع لأن بعض القراء أثبتها ضمن القراءات المتواترة ولا يجوز إنكارها .
كما أن الاختلاف لا يستلزم عدم التواتر .
وعلى هذا تكون قراءة البسملة في أثناء الصلاة إنما هي على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب قطعاً للنزاع .

* المصدر: كتاب أثر القراءات في الفقه الإسلامي
 تأليف الدكتور صبري عبدالرّءوف محمد عبدالقوي.


التربية القرآنية في سورتي الإخلاص

إنها سورة الكافرون وسورة الإخلاص.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1 لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ 2 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 3 وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ 4 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 5 لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ 6 }
بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ 2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4 }
جاءت الأحاديث بفضائلهما، وحسبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح يومه بهما في صلاة سنة الفجر ويختم ليله بهما في صلاة الوتر، ويصدح بهما أئمة المصلين في كل ليالي رمضان في بيوت الله. سورة الكافرون تنفي أي تشابه أو التقاء بين عقيدة التوحيد وعقيدة الشرك، وسورة الإخلاص فيها إثبات وتقرير لعقيدة التوحيد الإسلامية.. وكل منهما تعالج حقيقة التوحيد من وجه(1).
عبر هذه الأسطر سنلقي بعض الضوء على معالم التربية القرآنية التي كان القرآن يغرسها في نفوس المسلمين، عبر وقفات، أسأل الله تعالى أن يوفقني إلى الصواب فيها ، وأن يلهمني السداد والرشاد..

الوقفة الأولى: الجهل بالله سبب نزول السورتين:

يحسن بنا ابتداءً أن نعرض لسبب النزول، لما لذلك من أثر قوي في فهم معنى ومغزى السورة.
سبب نزول سورة ( قل هو الله أحد ) هو الفهم الخاطئ والصورة البئيسة عن الله جل في علاه. جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صف لنا ربك، فإن الله أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو، ومن أي جنس هو، أذهب هو أم نحاس أم فضة؟ وهل يأكل ويشرب، وممن ورث الدنيا ومن يورثها؟ فأنزل الله تبارك وتعالى هذه السورة. وعن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك. فأنزل الله تعالى: ( قل هو الله أحد. الله الصمد )(2).
إنهم يعتقدون لله النسبة وأن منه بنات هن الملائكة، وكذلك اليهود والنصارى ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون).
أما سورة الكافرون فنزلت في رهط من قريش ، قالوا: يا محمد، هلم اتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يدك قد شركت في أمرنا وأخذت بحظك. فقال: ( معاذ الله أن أشرك به غيره ). فأنزل الله تعالى ( قل يا أيها الكافرون ) إلى آخر السورة. فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك(2) وقد كانوا يأملون موافقته لما رأوا من حرصه على هدايتهم صلى الله عليه وسلم.

الوقفة الثانية: لنتعرف على الله:
من هو الله ؟ وما هو التصور الصحيح عن ربنا تبارك وتعالى؟ ( الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد ) الصمد هو كما قال ابن عباس (3): السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته، لا تنبغي إلا له.

إنه الحي القيوم، الرحمن الرحيم الذي خلق كل شيء وسخر لنا كثيراً مما خلق..
{ إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ . وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ . وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ . وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } ذلك غيض من فيض مما عرفنا الله به عن نفسه، وهي آيات، كما ترى تربط القلب البشري بربه، وتغرس فيه حبه.

ما هو تصور النصارى عن الله؟ وما علاقة الكون والإنسان به سبحانه؟ يزعمون أن لله ولداً، سبحانه، والولادة انبثاق وامتداد ووجود زائد بعد عدم أو نقص، وهذا محال على المولى الجبار، فهو ( لم يلد ولم يولد ) بل من يقول بهذا فقد كفر كفراً يخلده في الجحيم، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ) وفي الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم)(4).
أما علاقتهم والكون بالله فلقد أثرت في شعورهم تلك الأسطورة اليونانية النكدة، أسطورة برومثيوس سارق النار، فشكلت مشاعرهم تجاه الله سبحانه، وانحرفت بهم عن نهجه وهداه.
هذه الأسطورة تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة صراع دائم وضغينة وأحقاد. علاقة لا ترف فيها مشاعر الرحمة أو العطف أو المودة. ولا يهدأ أوارها حتى يشتعل من جديد. والمعركة قائمة على النار المقدسة: نار " المعرفة ". البشر يريدون أن يستولوا على هذه النار المقدسة ليعرفوا أسرار الكون كلها ويصبحوا آلهة. والآلهة تنكل بهم في وحشية وعنف، لتنفرد وحدها بالقوة، وتنفرد دونهم بالسلطان!
تلك إذن هي طبيعة العلاقة بين البشر والله! العلاقة التي اندست في أوهام الأوروبيين وصارت تصرف أفكارهم بغير وعي. العجز وحده هو الذي يخضعهم لمشيئة الله! وهم غير راضين عن هذا العجز ولا ساكتين عنه. فهم في محاولة دائمة يطلبون "القوة" ويطلبون "المعرفة". يحاولون دائماً أن يقهروا هذا العجز. أو يقهروا – بلغتهم – قوة الطبيعة. أو – بلغتهم اللاشعورية أيضاً – ينتزعوا الأسرار! ينتزعوها من الإله الوثني القديم الذي كانوا يحاولون أن ينتزعوا منه ناره المقدسة!
وبهذا الدافع الخفي المطبوع في أعماق النفس الغربية – في أعماق اللاشعور – يحس الغربيون أن كل خطوة يخطوها "العلم" ترفع الإنسان فوق نفسه درجه، وتنزل الإله من عليائه بنفس القدر!.. حتى تأتي اللحظة المرقوبة التي يتحلب لها ريق الغرب ويتلهف إليها. اللحظة التي "يخلق" فيها الإنسان الحياة، ويصبح هو الله(5).
لا شك أن معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتصحيح التصور عنه سبحانه سيكون له أعظم الأثر في إصلاح النفس وإصلاح الحياة.

الوقفة الثالثة: توحيدٌ، ودعوةٌ إلى التوحيد:

قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) أي واحد متفرد لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل. ولفظة ( أحد ) في الإثبات لا تطلق إلا على الله تعالى، بخلاف النفي.. فقد تقول لم يخرج من المسجد أحد. وذلك لأن الله تعالى هو وحده الكامل في صفاته وأفعاله.
هذه الآية تشابه الآيتين الأوليين من المعوذتين من وجه وتختلف عنهما من وجه آخر. أما التشابه فمن حيث أمر الله تعالى رسوله بالتلفظ بما فيها، بينما ( قل هو الله أحد ) فيها أيضاً توحيد من الله لنفسه، كما أن فيها أمرٌ بالبلاغ والدعوة إلى التوحيد (6). أي يا محمد ، ويا أصحاب محمد، ويا كل المسلمين.. وحدوا الله وادعوا الناس كافة إلى توحيد الله.
وهل دعوات الأنبياء إلا على هذا الأس العظيم ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).

الوقفة الرابعة: هل الكافرون سيرضوننا بالدخول في الإسلام؟

قال تعالى: ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) هذه الآية تنفي أن يعبد الكافرون الله تعالى.
وفي الآية وتكرارها معانٍ.. منها: أن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله[ ولا يزال كثير منهم كذلك ] ولكنهم كانوا جاهلين به(7). فمهما ظنوا أنهم يتقربون إلى الله ببعض العبادات فهي في الحقيقة ليست عبادة لله لأن حقيقة العبادة تنافي الشرك بالله، وهذا معنى لا إله إلا الله النافي لكل معبود إلا المعبود بحق وهو الله تعالى.
ومن معانيها: أنه مهما قدمت إليكم من تنازلات، فإنكم يا كافرين لا تتنازلون عن شرككم بالله تعالى، ولو أرضيتكم بالشرك بالله ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )، فمع إمكان حصول رضاهم عنا بالشرك بالله إلا أنه لا يمكن أن يرضوننا بعبادة الله وتوحيده.
ثم تأمل وصف الله لهم بصيغة نفي اسم الفاعل ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) ليدل على ثبوت هذا الوصف وعدم انفكاكه عنهم.. ولو لمرة واحدة.

الوقفة الخامسة: لا نرضي الكافرين بتلبية رغباتهم ولو لمرة على حساب ديننا ( لا أعبد ما تعبدون ) ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) فيه نفي أن يعبد الرسول صلى الله عليه وسلم آلهتهم الكاذبة. ولكن ما سر التكرار؟ توكيد مفهوم التوحيد والبراءة من الشرك من ذلك، إلا أن بين الآيتين اختلاف في الصيغة. ففي الآية الأولى أتى بصيغة نفي الفعل، وفي الثانية أتى بصيغة نفي اسم الفاعل. والفرق بين الفعل واسم الفاعل أن الفعل يدل على الحدوث والتجدد والوقوع ولو لمرة واحدة، والاسم يدل على الوصف اللازم ويدل على الثبوت ، فكأنه قال:إرضاؤكم بعبادة آلهتكم لا يقع مني ولو لمرة، وأن هذا ليس وصفي ولا شأني(8).
ونحن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والمخاطبون بهذه الآيات من بعده لا ينبغي لنا أن نرضي الكافرين بما يقدح عقيدتنا ولو كان يسيراً ولو لمرة. وقد جاءت التوجيهات القرآنية صريحة ومضمنة بالنهي عن طاعة الكافري؛ إطلاقاً.. يقول المولى جل ذكره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ . بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ) وقال جل ذكره في آيات فيها من التحذير والكشف عن حقيقة الكافرين وما تنطوي عليه نواياهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ . هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )

الوقفة السادسة: التميز لا التميع:
الدين هو الملة والعقيدة التي تقع سلوكيات الحياة والتقاليد والعادات على مقتضاها. وفي هذا الإطار يقول الله عز وجل ( لكم دينكم ولي دين )، أي لكم ملتكم وعقيدتكم بل وسلوكيات حياتكم وعاداتكم وأنماط عيشكم، ونحن لنا ملتنا وعقيدتنا وسلوكيات حياتنا وعاداتنا وأنماط عيشنا.
لا نوافقكم على ما أنتم عليه من الدين فإنه باطل مختص بكم، لا نشرككم ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق. وهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم(9).
جاء في وثيقة الحلف بين المهاجرين والأنصار البند الأساس الذي نص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المسلمين ( أمة من دون الناس ).. فقد تتشابه الأمم والدول ويتبع بعضها بعضا في نظمها وتشريعاتها وأخلاقها، اليهود والنصارى والمجوس وغيرها، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي أمة من دون الناس، لا يليق بها – بل يحرم عليها – موافقة الكافرين في ما هو من خصائصهم في العادات والتقاليد، فضلاً عن موافقتهم في الشعائر والنظم.
وهذا التمييز كان أمراً مقصوداً يستهدف زيادة تماسك الأمة واعتزازها بذاتها، يتضح ذلك في تمييزها بالقبلة واتجاهها إلى الكعبة. وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم يميز المسلمين عمن سواهم في أمور كثيرة ويوضح لهم أنه يقصد بذلك مخالفة اليهود [ كفار المدينة ] من ذلك: أن اليهود لا يصلون بالخف فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يصلوا بالخف، واليهود لا تصبغ الشيب فصبغ المسلمون شيب رأسهم بالحناء والكتم. واليهود تصوم عاشوراء والنبي صلى الله عليه وسلم يصومه أيضاً ثم اعتزم أواخر حياته أن يصوم تاسوعاء معه مخالفة لهم. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وضع للمسلمين مبدأ مخالفة غيرهم والتميز عليهم فقال: ( من تشبه بقوم فهو منهم )وقال: ( لا تشبهوا باليهود ) والأحاديث في ذلك كثيرة وهي تفيد معنى تميز المسلمين واستعلائهم على غيرهم(10).

الوقفة السابعة: لا التقاء بيننا وبين الكافرين:

إنها ضرورة المفاصلة الواضحة بيننا وبين الكافرين. فلا يمكن أن نلتقي وإياهم لا في الاعتقاد ولا التصور ولا المنهج ولا السلوك.
أما الاعتقاد فنحن نؤمن بأنه لا إله إلا الله، وهم يشركون بالله ما لم ينزل به سلطاناً من حجر أو شجر أو بشر..
ونحن نؤمن بالأنبياء جميعاً ( آمن الرسول بما أنزل إليه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) وهم يكفرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويسبونه ويسخرون منه.
أما التصور فنحن نرى أن هذا الكون مما يتصل بالإنسان إنما هو مسخر لنا كما ورد في آيات كثيرة من أمثال قوله تعالى ( والله جعل لكم ) و ( وأنزل لكم )، والله الذي وهبه لنا أمرنا أن نسعى فيه وأن نعمره بمنهجه لا بأهوائنا.
والكافرون يرون الكون طبيعة يغالبون بها الله تعالى وأنهم استطاعوا بفضل عقولهم أن يصلوا إلى درجة الربوبية في صناعة الأشياء وتسخيرها فيما يريدون، فأهلكوا الحرث والنسل.
ونحن نعلم – من خلال الكتاب والسنة – تفاصيل حياة الإنسان، مبدأه ومنتهاه ومصيره وآخرته. والكافرون لا يعلمون عن الإنسان ذلك كله فاختلقوا مبدأ كريهاً يخالف ما شرفه الله به فزعموا أن مبدأه حيواناً قرداً، حسب قانون التطور المشئوم.
ونحن نرى الحياة الدنيا جزءاً من الحياة تتبعها حياة البرزخ ثم الحياة الأخرى، ونرى الحياة الدنيا مزرعة للآخرة وسبيلاً إليها ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ). والكافرون يرون الحياة الدنيا هي كل الحياة ، فلا برزخ ولا معاد، ولا حساب ولا جزاء ( زعم الذين كفروا ألن يبعثوا) فعثوا فيها فساداً يسابقون الموت بشهواتهم.
أما المنهج فمنهجنا الوحي المعصوم من كتاب وسنة لا يأتيهما الباطل من بين أيديهما ولا من خلفهما. ومنهج الكافرين حثالة أذهان المضلين من البشر الذين سولت لهم أنفسهم وشياطينهم أن يشرعوا لأمثالهم القوانين والنظم.
أما السلوك فإن النظام الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي الذي جاء به الوحي يؤطر حياتنا وحرياتنا وعلاقاتنا وعاداتنا بإطار من الأدب والحشمة، والجماعية ومحبة الغير، والمسؤولية.. والخشية من الله تعالى.
والكافرون يعيشون بلا إطار.. لا أخلاقي ولا اجتماعي ولا اقتصادي.. ليس إلا الأنانية والتفلت والتمرد على ما هو أصيل وطاهر .. ليس إلا الحريات المفتوحة في كل الاتجاهات التي أهلكت الحرث والنسل.. ليس إلا حياة الأنعام ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ). إن الفوضى المالية والجنسية ليست إلا إفرازاً نجساً من الكيان الكافر الملحد.
كيف نلتقي بهم في وسط الطريق وبيننا وبينهم بعد المشرقين؟!
وعندما يريد فئام من الأمة الالتقاء بهم في وسط الطريق – كما يقال – فإنهم في الحقيقة يرتمون في أحضانهم و يقعون في شراكهم، ثم لا يعودون ولاهم يخرجون.. إلا بالخيبة والخسران والتفسخ والانحلال وفقد الهوية والانهزام. أم إنها النبوءة الصادقة من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما في حديث ثوبان(11) ( ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ).

الوقفة الثامنة: إعلان البراءة والمفاصلة:

مقتضى كل آيات سورة الكافرون إعلانُ هذه المفاصلة والبراءة بكل وضوح للكافرين، وأن لهم دينهم وطريقتهم في الحياة، ولنا ديننا وطريقتنا في الحياة. ولهذا لما نزلت السورة امتثل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر وغدا إلى المسجد الحرام وقرأها على الملأ من قريش.

الوقفة التاسعة: المفاصلة الوجدانية:
الشعور بكراهية الكفر وما عليه الكافرون من عادات ونظم وأنماط حياة، وأنه باطل ، والتحرز منه من مقتضيات التوحيد، وهنا يستشعر المسلم حلاوة الإيمان، كما في الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار )(12).
وهذا هو حجر الأساس، شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء. لهم دينهم وله دينه، لهم طريقتهم وله طريقته. لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم. ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير!(13) الصحابة رضوان الله عليهم كانوا على هذا الحال. ما إن يسلم الرجل منهم أو المرأة، وما إن يتلفظ أحدهم بالشهادة حتى يسلخ كل أثواب الجاهلية وكل أنماط الجاهلية وكل ما يتعلق بالجاهلية على أعتاب الباب الذي يدلف منه إلى الإسلام، فلا يبقى في نفسه وضميره ووجدانه إلا الإسلام. هكذا رباهم القرآن، وهكذا كانوا، والله المستعان.

الوقفة العاشرة: الثبات على المبدأ:
لم يكن من هدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – وليس هذا بمقتضى الإسلام – تمييع الدين إرضاءً للكافرين، ولا التنازل عن بعض مبادئه خوفاً منهم.. كلا ورب الكعبة. وقد كانوا مستضعفين في مكة ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ...) الآية، بل كان يعلم صلى الله عليه وسلم من أول الأمر أن العرب قاطبة قد تجتمع على حربه.
إنه الثبات على المبدأ أمام فتنة الكافرين، من ترغيب وترهيب، مهما غزونا عسكرياً أو اقتصادياً أو ثقافياً.

الوقفة الحادي عشرة:كيف نخاطب الكافرين:
( يا أيها الكافرون ) هذه طريقة الخطاب القرآني الفريدة التي لا مثيل لها في القرآن، والتي تصفهم بالكفر الصريح الخالص. تحقيراً لهم وتأييداً لوجه التبرؤ منهم، وإيذانا بأنه لا يخشاهم صلى الله عليه وسلم إذا ناداهم بما يكرهون مما يثير غضبهم. قال أبو بكر بن الأنباري: إن المعنى: قل للذين كفروا يا أيها الكافرون أي يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم: يا أيها الكافرون، وهم يغضبون أن ينسبوا إلى الكفر(14). لأنهم يعتقدون أنهم هم المؤمنون. وكما يعتقد كفار قريش أنهم أتباع إبراهيم عليه السلام فكذلك النصارى اليوم ومن قبل يعتقدون أنهم أتباع عيسى عليه السلام وأنهم حملة الخير والنور إلى الأمم. بينما في الحقيقة هم الكافرون، وهذا هو اسمهم.. إنهم ليسوا بـ ( الآخر ) ولا ( أتباع الديانات السماوية ) بل هم ( الكافرون حقاً ).. هكذا سماهم الله تعالى وأمر نبيه أن يخاطبهم بهذا الاسم.
قال ابن كثير رحمه الله عن هذا الخطاب: ( يشمل كل كافر على وجه الأرض)(15).

الوقفة الثاني عشرة: الحرية الحقيقية:
حين يحصل اليقين في القلب من فهم واعتقاد ما في سورة الإخلاص؛ فإن القلب يتحرر من كل القيود، قيود الشهوات والشبهات، وقيود الرغبة والرهبة، فلا يرغب القلب إلا فيما عند الله الأحد الصمد، ولا يرهب إلا الله الأحد الصمد، ولا يرجوا ولا يخاف إلا الله الأحد الصمد.
وكيف يرجو وكيف يخاف من المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا رزقاً.. وهذه التربية القرآنية هي ذاتها التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه عليها، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال " يا غلام , إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك , إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله , واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك , وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك , رفعت الأقلام وجفت الصحف " رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي " احفظ الله تجده أمامك , تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة , واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لك يكن ليخطئك , واعلم أن النصر مع الصبر , وأن الفرج مع الكرب , وأن مع العسر يسراً "(16) .
إنها الحرية الحقيقية والتي قد لا يشعر بها بعضنا حيث تملكت الدنيا على القلوب، نسأل الله أن يفك عقالها.

الوقفة الثالثة عشرة: لنتربى على منهج القرآن ينبغي علينا أن نربي أبناءنا ونساءنا ومجتمعنا على هذا المنهج القرآني وعلى هذه التربية القرآنية، كما كان الله عز وجل يربي رسوله وأصحابه عليها. وهذه المعاني مما رباهم القرآن عليه كما في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان )، قال المفسرون: أي في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئاً(17).
ولنتأمل قوله تعالى ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً ) وذلك من كثرة محاولاتهم في أن يأتي بما يوافق أهواءهم مما لم يأت به الله، وحرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم(18).

ولقد كانت سيرته صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده الترجمة العملية لهذه المفاهيم القرآنية، ولولا خشية الإطالة لعرضنا لشيء من تلك المواقف الكريمة.
----------------------------------
الهوامش
(1) في ظلال القرآن 6/4005.
(2) أسباب النزول للواحدي.
(3) تفسير ابن جرير الطبري 30/346.
(4) متفق عليه.
(5) انظر: قبسات من الرسول لمحمد قطب 42.
(6) انظر: الضوء المنير على التفسير لابن القيم،جمع علي الحمد الصالحي 6/484.
(7) الضوء المنير 6/466.
(8) انظر : الضوء المنير 6/470.
(9) الضوء المنير 6/475.
(10) السيرة النبوية الصحيحة لـ د. أكرم العمري1/292، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية حافل بتفصيل هذا الموضوع.
(11) أخرجه أبو داود 4252.
(12) متفق عليه.
(13) في ظلال القرآن 6/3992.
(14) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور 30/581.
(15) تفسير القرآن العظيم 4/726.
(16) أخرجه الترمذي 2516 والإمام أحمد 1/293 برقم2669.
(17) تيسير الكريم الرحمن للسعدي 77.
(18) انظر تفسير السعدي 415.

 

* المصدر: موقع صيد الفوائد.


آداب المسلم في السوق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
فقد تعلمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأسواق هي من أبغض البِقاع إلى الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم : ((أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها،وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقُها ))
لذلك أردت في هذه الرسالة القصيرة التنبيه إلى أهم الآداب التي أمرنا الله ورسوله بها، وما يتعلق بالمعاملات التي تجري في السوق ، وما يمكن أن يفعله المسلم عند دخول الأسواق؛ كي لا نقع في المحظور ، ونربح تجارة لن تبور، ليوم العرض والنشور.
(قصص بين يدي الباعة)
عن مالك بن دينار قال : دخلت علي جار لي و قد نزل به الموت، وهو يقول : جبلين من نار جبلين من نار، قال قلت: ما تقول ؟ قال: يا أبا يحيى كان لي مكيالان كنت أكيل بأحدهما، وأكتال بالآخر، قال مالك بن دينار : فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر، فقال يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازداد الأمر عظما وشدة، فمات في مرضه.
وقال بعضهم : دخلت على مريض قد نزل به الموت، فجعلت ألقنه الشهادة، ولسانه لا ينطق بها ؟ فلما أفاق قلت له: يا أخي ما لي ألقنك الشهادة و لسانك لا ينطق بها ؟ قال: يا أخي لسان الميزان على لساني يمنعني من النطق بها، فقلت له : بالله أكنت تزن ناقصا ؟ قال : لا والله ولكن ما كنت أقف مدة لأختبر صحة ميزاني، فهذا حال من لا يعتبر صحة ميزانه، فكيف حال من يزن ناقصا؟ ! إن الذي ينقص الكيل والوزن يعد مطففا ؛ لأنه لا يكاد يسرق إلا الشيء الطفيف، و ذلك ضرب من السرقة و الخيانة وأكل الحرام، ثم وعد الله من فعل ذلك بويل وهو واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره، وقال نافع : كان ابن عمر رضي الله عنه يمر بالبائع فيقول : اتق الله وأوف الكيل و الوزن، فإن المطففين يوقفون حتى أن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم، و كذا التاجر إذا شد يده في الذراع وقت البيع وأرخى وقت الشراء .
* أهم آداب السوق
1. التعجيل بالخروج من الأسواق: اعلم أن الأسواق مكان قد نَصَبَ الشيطان عليها رايته، وميدان أطلق فيه زبانيته، فعجل بالخروج منها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تكوننَّ إن استطعت أوَّل من يدخل السُّوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنَّها معركة الشيطان، وبها نَصَبَ رايته)) ففيها تكثر المعاصٍي والسيئات، وتقلَّ فيه الطاعات والحسنات، وفيها يكثر السهو واللهو، والغفلة واللغو، والتدليس والتلبيس، والكذب والزور، والتهتك والسفور، والفواحش والفجور.

2. تجارة رابحة في أبغض البقاع إلى الله : كي تحصل على مليون حسنة + إلغاء مليون سيئة، فقل كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من دخل سوقا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة)) فكن من هؤلاء الذاكرين؛ كي تحظى بهذا الأجر العظيم.
3.اجتناب مرافقة النساء إلا لضرورة :لا تأخذ إحدى نساء بيتك معك إلا لحاجة لا بُدَّ منها تستدعي وجودها، فالأصل للمرأة أن تقعد في بيتها ، ولا تُكْثِر الخروج والدخول إلا بقدر معلوم؛ حتى لا تكون فتنةً لغيرها، مفتونة مِن سواها، فالذئاب البشرية التي تحوم في السوق تنتظر في لهفةٍ بالغةٍ تلك الفريسة الضائعة التي لا حامي لها؛ لتنهش لحمها بمخالبها المهلكة وأنيابها المردية .
4.إذا كان ولابد من مرافقة إحدى محارمك فألزمها بالحجاب الشرعي ، وكن ممن يقي نفسه وأهله من النار قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) فالإثم كل الإثم لمن يضيع أهل بيته، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :((كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع مَن يقوت)) ، ولا يكن قدوتك من الناس ذلك الذي خَبَت غيرته ، فتراه يمشي مع زوجته أو أخته وقد كشفت عن بعض جسدها كوجهها أو عينيها وما حولها، أو يديها أو قدميها وشيء من ساقيها في ملابس مخزية، فهي تتكلَّم مع الباعة في سذاجة باهتة، وتتبادل النظرات الخائنة والضحكات ، وذلك المَحرم لا يفعل ما يلزم للمحافظة عليها .
5.إيَّاك وهيشات الأسواق: لا تساير زوجتك أو أي من محارمك في شراء أمور لا حاجة لها وأنت غير مقتنع بها ، أو أنها غالية الثمن باهظة التكاليف، أو أنها تجلب عليك الضرر وتورد بيتك موارد الخطر . واعمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: "... وإيَّاكم وهيشات الأسواق" أي :اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها .
. لتكن أنت من يشتري ويتداول مع الباعة وغيرهم ، فالقرار قرارك بعد المشاورة ،أما أن تعطي المرأة دورك فتسترجل عليك ، وتتحدث مع الغرباء ، وتضاحكهم وأنت أبكم لا تتكلم، وتتملقهم وأنت جامد خامد لا تتألم، فماذا بقي لك من صفات الرجولة ؟ وهل يستحق من هذا شأنه أن رجلاً ؟ وهل تعلم أن الكثير من الباعة يظن بالمرأة شرا من كلمة قالتها،أو ابتسامة ألقتها ، فيحاول أن يسيء إلى سمعتها، أو أن يحاول إقامة علاقة محرمة معها ؛ ليكون بعدها الجرح الذي لا يندمل .
7. إن كنت بائعا أو مشتريا : كفَّ بصرك عن النظر فيما حرم الله عليك، فلا تنظر إلى امرأة لا تحل لك، وراقب نظرك فإن الله يراقبك وينظر إليك، واستحِ منه، فإنه مطَّلع عليك ولا يخفى عليه شيء من شأنك ! والمراقبة: علم القلب بقرب الربِّ، وهو أقرب إليك من حبل الوريد، قال تعالى : ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)) ، وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري ، وعن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : ((يا علي، لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الثانية)) ..
8. من الأشياء التي يتهاون فيها الناس في الأسواق قضايا البيوع، يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله : اعلم أن البيع في الإسلام مبناه على شيئين: الصدق والبيان، أن يصدق الإنسان في معاملته، وأن يبين ما يجب أن يبين، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) . فمن الصور المحرمة: أ- الكذب في البيع: أن يقول: اشتريت السلعة بعشرة وقد اشتراها بثمانية، هذا كذب، ولماذا كذب؟ لماذا قال: بعشرة وهي بثمانية؟ لأجل أن يزيد الثمن، ومن الكذب أيضا أن يقول: هذه السلعة من النوع الفلاني الذي هو طيب وجيد ومتين، وهي من غيره، مثل أن يقول: هذه صناعة يابانية وهي صناعة غير يابانية، بل صناعة أردأ، فهذا أيضاً كذب، فهذا الذي يبيع على هذا الوجه يكون بيعه ممحوق البركة.
ب - كتمان العيوب: يوجد بعض الناس يبيع السلعة وهو يعرف أن فيها عيباً، ولكنه يكتمه، ثم يقول للمشتري مخادعاً له: أنا أبيع عليك هذا الهيكل سليماً أو معيباً -وهو يدري عن العيب- هل هذا ناصح أو غاش؟ بل هو غاش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من غش فليس منّا)، ومن الناس من يخادع غيره، بأن يوكله أن يشتري له سلعة يقول: يا فلان اشتر لي الكتاب الفلاني -مثلاً- فيذهب هذا الوكيل ويشتريه لنفسه، ثم يبيعه على من وكله بربح، يشتري الكتاب بعشرة، ثم يبيعه على موكله باثني عشر مثلاً، هذا حرام، إنما هو وكيل اشتراه للموكل، فكيف يخدعه ويشتريه لنفسه، ثم يبيع عليه بربح؟ هذا لا شك أنه غش، ولا أحد يعلم عنه إلا يذمه ويقول: هذا خداع وكذب. إذاً ماذا يصنع هذا الوكيل إذا كان يريد أن يشتغل بأجرة؟ نقول: يتفق مع الموكل ويقول: أنا اشتري لك السلعة الفلانية لكن لي عشرة في المائة مثلاً، وما أشبه ذلك، أما أن يخدعه ويوكله الرجل ثم يشتري السلعة لنفسه ثم يبيعها على هذا بربح، فهذا عين الظلم وعين الغش . ومن الغش المحرم أيضا خلط الجيد بالرديء في جميع أنواع البيوع كالفاكهة ، واللحوم ، والخضراوات وغيرها .

وأخيرا أخي المسلم: فكر في نفسك، ففي العام الماضي كان معك إخوة أصبحوا الآن في قبورهم مرتهنين، لا يملك الواحد منهم أن يزيل سيئة من سيئاته، ولا أن يكتسب حسنة فوق حسناته، وما أصابهم فسوف يصيبك، تعداك الموت إليهم، وسيتعدى غيرك إليك، حاسب نفسك، أنقذ نفسك قبل ألا تستطيع، فما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد خيرا، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون قد فعل شرا. أنقذ نفسك ما دمت في زمن الإمهال، كل شيء بيديك الآن، إن كنت ظالماً لأحد تستطيع أن تستحله من مظلمته أو تردها عليه، إن كنت مسرفاً على نفسك في ما بينك وبين ربك يمكنك أن تنقذ نفسك من هذا الإسراف فحاسب نفسك .
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، الصالحين المصلحين، وأن يحسن لنا ولكم العاقبة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الإسلام والنظافة مقارنة مع الأديان الاخرى

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)﴾ [سورة المدثر].

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنها قال : «أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال : أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره؟»، ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال: «أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه». [رواه أبو داود].

لقد دعا الإسلام إلى النظافة وجعلها من شروط صحة الصلاة ولا تقبل صلاة المسلم إذا كان ثوبه نجساً، فالطهارة والنظافة هي الأصل في حياة المسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وأثنى الله على المتطهرين فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾.

أما عند غير المسلمين فالقذارة تعتبر نوعاً من الزهد وقربة إلى الرب !! ولعل من أهم الأمثلة قصة إيسابيلا ملكة الإمبراطورية الإسبانية فترة سقوط غرناطة- مناصفة مع الملك فرديناند. هذه المجرمة الملطّخة يداها بدماء المسلمين الأندلسيين جمعت بين نجاستين -والعياذ بالله- نجاسة معنوية كمشركة ونجاسة حسية حيث لم تغتسل إلا مرة واحدة في حياتها وجعلت هذه المذمة مفخرة تتباهى بها.

يقول العلامة الفهامة الإمام محمد تقي الدين الهلالي المغربي رحمه الله في ترجمته لكتاب مدنية المسلمين بإسبانيا للعالم الأمريكي الشهير جوزيف ماك كيب في معرض كلامه عن إيزابيلا ملكة قشتالة: الصفحة 105.

(إيزابيلا) Isabella 1451-1504 ملكة قشتالة. استولت على الملك سنة 1474م داهية مكارة متعصبة. بذلت جهدها في تجديد المحنة وتعذيب المسلمين واليهود. وارتكبت خطايا كثيرة باسم الدين. وأما أحوالها الخاصة فلم تكن مما تغبط عليه: لأنها كانت تفتخر بأنها لم تغتسل في حياتها إلا مرتين يوم ولادتها سنة 1451 وليلة عرسها سنة 1469. وغسلت حين ماتت سنة 1504 فتمت لها الغسلة الثالثة والحقيقة أنها لم تغتسل إلا مرة واحدة وهي في ليلة عرسها. لأن غسلها يوم ولادتها وغسلها يوم موتها ليس من عملها.

ولنا أن نتصور حياة زوجها الملك فرديناند معها !!.


 
   
 
دليل الأبحاث العلمية حول القرآن الكريم